فاطمة عطفة (أبوظبي)

يلعب «المجمع الثقافي» في أبوظبي دوراً مُلهماً في صياغة المشهد الإبداعي بدولة الإمارات، إذ يقدم سردية فكرية تجعل «الفن التشكيلي» في ضمير اللوحة المبتكرة، وفي عمق الصورة التي يعبر من خلالها الفنان. وأكد مجموعة من المبدعين لـ«الاتحاد»، أن «المجمع الثقافي» يعد أيقونة فكرية، وإضافة حقيقية نوعية تزخر بجمالية «الإرث» و«التاريخ» و«الهوية» و«الروح» التي تسكن في المكان، وتجعل المبدع منغمساً بتفاصيل أسئلة الحياة اليومية، ليقدم من خلال ذلك أبحاثاً وأفكاراً تواكب تلك اللحظات المعرفية التي يتبناها من خلال ما يعاصره من تحولات يشهدها مبنى «المجمع الثقافي» معمارياً وثقافياً.

واعتبرت الفنانة الدكتورة نجاة مكي أن «المجمع الثقافي» مثّل منارة إبداعية منحت الفنانين مساحات رحبة للابتكار عبر أروقته المتنوعة، من مكاتب ومراسم حرة، وقاعات مخصصة لعرض الأفلام والندوات الفكرية التي جمعت نخبة من الشعراء والكتاب والباحثين، مما ترك أثراً عميقاً في وجدان المبدعين ونتاجهم الفني.
وأوضحت أن المجمع، شكّل مركزاً جامعاً للعلم والأدب، حيث احتضن معرض الكتاب الدولي الذي تحول إلى ملتقى للأدباء والمفكرين، ورافداً ملهماً للفنانين التشكيليين. كما تميز المجمع باستضافة معارض للوحات العالمية، والاحتفاء بالمستشرقين، وعرض أعمال كبار الفنانين العرب، فضلاً عن دوره المحوري في نشر الثقافة واللغة العربية.

وأوضح الفنان الدكتور محمد يوسف أن المنظومة الثقافية والفنية باتت جزءاً أصيلاً ومكوناً بنيوياً في شخصية الإنسان الإماراتي المعاصر، مشيراً إلى أن شغف العالم وتطلعه نحو هذه التظاهرات والفضاءات الإبداعية المتحفية بالفن، مثل «المجمع الثقافي» في أبوظبي، يتجسد بوضوح في المؤشرات الثقافية والمعرفية المتقدمة التي حصدتها الدولة مؤخراً، الأمر الذي يشكل دليلاً راسخاً على الديناميكية العالية للمؤسسات الثقافية ومشاريعها الفنية المستدامة.
ووصف يوسف «المجمع الثقافي» بالصرح التاريخي الشامخ الذي يستمد ريادته في الوسط الثقافي -خاصة في أبوظبي- من موقعه الاستراتيجي وتاريخه العريق، إذ يمثّل الحاضنة الرئيسية المؤسسة لفنون العمارة والتشكيل التي أثرت الساحة الوطنية. 

واستحضرت الفنانة التشكيلية خلود الجابري تجربتها الاستثنائية خلال فترة عملها في المجمع الثقافي، مشيرة إلى أنها كانت جزءاً من فريق عمل صغير حمل على عاتقه إعداد وتنفيذ برنامج سنوي ضخم، نجح في دمج الفن والثقافة بروح واحدة. وأوضحت الجابري أن المجمع كان ينظم معارض جماعية سنوية في مختلف التخصصات الفنية، وكان المبدعون ينتظرونها بشغف لعرض تجاربهم، إلى جانب احتضان معارض الأطفال والناشئين، والفنانين الإماراتيين، والمؤسسات والمتاحف.
وأضافت أن الصرح كان مركزاً نابضاً بالحياة، يجمع تحت سقفه مختلف شرائح المجتمع من فنانين، وكتاب، وأدباء، وشعراء، ومصورين، وسينمائيين، مؤكدة أنه شهد تأسيس «جماعة أصدقاء الفن» التي كانت أحد أعضائها المؤسسين، بهدف الربط بين الفكرة والعمل، ومزج النصوص الإبداعية بالموسيقى والفن التشكيلي. 

البيت الثاني

واستعادت الفنانة التشكيلية وفاء المطوع ذكريات الطفولة في أروقة المجمع، قائلة: «كنا نلهو سوياً بين ممرات المجمع الثقافي وقاعاته الواسعة، إذ اعتدنا بعد العودة من المدرسة أن يكون هذا المكان ملتقانا اليومي وبيتنا الثاني الذي يسوده الحب والألفة والتعاون، ومساحتنا الحرة لتفريغ طاقاتنا الفنية والثقافية». وقالت المطوع، إن المجمع كان يوفر للمبدعات كل ما يحتاجون إليه في مكان واحد، حيث كنّ يلجأن إلى المكتبة لإعداد البحوث المدرسية، ليتوجهن بعدها للاستمتاع بغرفة السمعيات والبصريات التي ضمت تقنيات حديثة، وأشارت إلى أن «المرسم الحر» كان يستأثر بالحصة الأكبر من وقتهن لتنمية شغفهن الفني، بالتوازي مع قاعة الطابق الأول الكبرى التي كانت تكتظ بجنسيات وثقافات مختلفة.