فاطمة عطفة
احتفت دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي بمرور 15 عاماً على إدراج مواقع العين الثقافية ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي. وتُعد هذه المواقع الملكية التسلسلية الوحيدة للدولة على القائمة منذ تسجيلها في 27 يونيو 2011. وتضم 17 موقعاً مترابطاً تشمل: «حفيت»، و«هيلي»، و«بدع بنت سعود»، و«الواحات».
وتوثق هذه المواقع الاستيطان البشري المستمر منذ العصور القديمة. ويمثل هذا الاعتراف الدولي تجسيداً للقيم الحضارية المتجذرة في رؤية الوالد المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
وحول أهمية مواقع العين الأثرية، قدم الباحث المعماري والمهندس محمود الرمحي لمحة تاريخية عن مدينة العين، التي تبعد 160 كيلومتراً عن العاصمة أبوظبي، موضحاً أن اسمها مشتق من كثرة عيون الماء العذب فيها. وتقع المدينة بالقرب من سلطنة عُمان على الخط التجاري الرابط بين بحر العرب والخليج العربي، وبين واحات الصحراء في منطقة الظفرة وصحراء الربع الخالي الممتدة إلى الأراضي العُمانية والسعودية عبر حدود دولة الإمارات، وصولاً إلى الجبال الشمالية التي تقع عليها إمارات الفجيرة والشارقة ورأس الخيمة وأم القيوين؛ وقد ساهم هذا الامتداد الجغرافي في نمو الاقتصاد والتجارة في مدينة العين حتى أصبحت مركزاً رئيساً للقوافل.
وبين الرمحي أن العلاقة بين مدينتي العين وأبوظبي بدأت منذ العصر البرونزي، في الفترة الممتدة ما بين 3000 و1500 قبل الميلاد. وكان التجمع السكاني في جزيرة أم النار بأبوظبي، الذي يعود إلى أقدم التجمعات السكانية في دولة الإمارات، مركزاً تجارياً حيوياً ونقطة التقاء لشحن النحاس وتصديره إلى الحضارة السومرية في جنوب العراق. وثمة روابط تجارية ضاربة في القدم بين مدن الإمارات والحضارات التي عاصرت تلك الحقبة، وأبرزها حضارتا سومر ودلمون (البحرين)، وحضارة وادي السند في باكستان والهند؛ حيث شكلت المنطقة نقطة التقاء استراتيجية لعبت دوراً محلياً وعالمياً بارزاً.
وأوضح الرمحي أن النقطة الأخرى التي أُثبِتَت واكتُشِفَت علمياً حديثاً، فهي الإجابة عن تساؤل: «من أول من روّض الإبل؟»، وجاء الرد: هم العرب في شبه الجزيرة العربية. ولكن مَن وتحديداً متى وكيف وفي أي منطقة؟ يقول الرمحي: «تشير معظم أبحاث الجيولوجيا والآثار والحمض النووي إلى أن المنطقة الواقعة بين بحر العرب والخليج العربي، أي دولة الإمارات وسلطنة عُمان، هي المكان الأول الذي شهد ترويض الإبل واستئناسها، وأشهرها «النوق الحمر». وقد لعب هذا المخلوق دوراً كبيراً في نقل البضائع، ولا سيما النحاس والحجارة والمعادن من الجبال وسواحل عُمان وبحر العرب وبالعكس؛ إذ تميز بقدرة عالية على الحمل تفوق أي حيوان آخر كالحمار، فكان للإبل أثر تاريخي واقتصادي كبير لا يمكن الاستهانة به».
عمق حضاري
وحول القيمة التراثية للمنطقة، أشارت الكاتبة الدكتورة فاطمة المعمري إلى أن مواقع العين الأثرية -وتشمل حفيت، وهيلي، وبدع بنت سعود، ومناطق الواحات- تجسد عمقاً حضارياً فريداً يعيد تأصيل بدايات الاستيطان البشري في منطقة جنوب شرق شبه الجزيرة العربية.
وتكمن الأهمية العلمية لهذه المواقع في تقديمها أدلة مادية متكاملة ترصد تدرج المجتمعات وتطورها من العصر الحجري الحديث وحتى العصر الحديدي، فضلاً عن كونها نموذجاً تاريخياً متميزاً يثبت كفاءة المجتمعات القديمة في التكيف البيئي، وإدارة الموارد المائية عبر نظم ري مبتكرة أسست لبيئة عمرانية مستقرة دامت لآلاف السنين.
وأوضحت المعمري أن هذه المواقع تُمثل ركيزةً أساسية للهوية الوطنية وجزءاً لا يتجزأ من الذاكرة التاريخية لدولة الإمارات، حيث تُسهم بشكل فاعل في تعميق ارتباط المجتمع بجذوره وإبراز الأصالة العريقة للحضارة الإماراتية. أما على الصعيد العالمي، فإن تسجيلها ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو يأتي ليؤكد مكانتها كإرث إنساني مشترك، ويبرز دورها المحوري في إثراء الفهم العالمي لكيفية تطور الحضارات البشرية عبر التاريخ.
وتضيف المعمري أن حماية هذه المواقع تتطلب نهجاً متكاملاً يجمع بين المحافظة العلمية والإدارة المستدامة والتوعية المجتمعية. ويشمل ذلك أعمال التوثيق والبحث الأثري، ومراقبة حالة المواقع، وتطوير التشريعات، وإشراك المجتمع المحلي في جهود الحماية، إلى جانب توظيف التقنيات الرقمية في التوثيق والعرض.
وأضافت المعمري أنه في الجانب الثقافي والسياحي، تمثل هذه المواقع مورداً استراتيجيا لتعزيز السياحة الثقافية، من خلال تطوير مسارات للزيارة، وتنظيم البرامج التعليمية والفعاليات الثقافية، وإنتاج محتوى رقمي ومعارض تفاعلية تروي قصة المكان بأساليب حديثة. كما تسهم في دعم الاقتصاد الإبداعي، وإبراز مكانة الإمارات بوصفها وجهة تجمع بين الأصالة والابتكار.
مختبر علمي
ترى المعمري أن هذه المواقع تمثل مختبراً علمياً مفتوحاً للبحث والتعليم، إذ تتيح للطلبة والباحثين فرصاً لدراسة علم الآثار، وإدارة التراث الثقافي، والتاريخ، والعمارة التقليدية، والجيولوجيا، والعلوم البيئية، وغيرها من التخصصات المرتبطة بالتراث، كما تعزز التعلم القائم على الممارسة الميدانية، وتشجع على إجراء البحوث متعددة التخصصات، وتسهم في تطوير مهارات التحليل والتوثيق واستخدام التقنيات الحديثة، مثل النمذجة ثلاثية الأبعاد، والاستشعار عن بُعد، والذكاء الاصطناعي في حفظ التراث.
وأشارت المعمري إلى أن هذه المواقع ستلعب في المستقبل دوراً محورياً في تطوير التعليم والبحث العلمي من خلال ربط الجامعات بالمواقع التراثية، وإنتاج معرفة جديدة حول تاريخ المنطقة، وإعداد كوادر وطنية متخصصة في حماية وإدارة التراث، بما يدعم الاقتصاد المعرفي ويعزز مكانة الإمارات مركزاً إقليمياً وعالمياً للبحث والابتكار في مجال التراث الثقافي.
كنوز حضارية
أكدت الكاتبة مريم الغفلي أن مواقع مدينة العين الأثرية، ليست مجرد معالم، بل هي كنوز حضارية تجسد فصول الاستيطان البشري في دولة الإمارات منذ آلاف السنين. وتكشف هذه الحواضر عن عبقرية الإنسان القديم في تطويع البيئة الصحراوية، مستدلةً على ذلك بأنظمة الري المبتكرة والعمارة الأثرية التي تعكس استغلالاً ذكياً للموارد المتاحة.
وأوضحت الغفلي أن استدامة مواقع العين الأثرية ترتكز على الصيانة المتواصلة، ونشر الوعي المجتمعي بقيمتها التاريخية، إلى جانب استثمارها في مبادرات سياحية وثقافية تكرس مكانتها محلياً وعالمياً. ودعت الغفلي إلى تأهيل كفاءات وطنية شابة قادرة على قيادة قطاع التراث، والترويج لكنوز الإمارات التاريخية بين السياح والمقيمين.
ولفتت الغفلي أن هذا التوجه يرسخ الهوية الوطنية، ويربط الزوار بجذور المنطقة العريقة. كما أشارت إلى أنها بمثابة فضاء بحثي تاريخي يمثل مساحة علمية ومنصة للتعلم الميداني تدعم البحث الأكاديمي في مجالات الآثار والتاريخ.
وقالت الغفلي، إن آثار العين تقدم دليلاً حاسماً على محورية دور المدينة التاريخي وجغرافيتها الاستراتيجية التي ربطت طرق التجارة العالمية بين الشرق والغرب، ولم تكن يوماً معزولة عن محيطها الحضاري.