أبوظبي (الاتحاد)
بمناسبة يوم المرأة الإماراتية، الذي يُحتفل به سنوياً في الثامن والعشرين من أغسطس، يتجاوز التكريم حدود الإنجاز الفردي ليشمل الحواضن والمنصات التي ساهمت في نهضة الوطن. وإذا كانت هناك من منصة تختزل تلاقي الثقافة بالطموح، وتجسد عمق الهوية الإماراتية بأبهى صورها، فهي بلا شك الجناح الوطني للدولة في بينالي البندقية؛ حيث تلتقي الريادة النسائية بالإبداع العالمي لتروي قصة أمة.
منذ تأسيسه عام 2009، مثّل الجناح الوطني السفارة الثقافية الأبرز للدولة على مستوى العالم، والمنصة التي قدّم من خلالها الفنانون، والمعماريون، والباحثون، وصانعو الأفلام، والقيّمون الفنيون الإماراتيون تجربة الإمارات الحياتية بلغة فنية عالمية مرموقة. وما بدأ كحدث تاريخي رائد في البندقية، نما دورة تلو أخرى، ليصبح أحد أبرز تجليات استراتيجية الصناعات الثقافية والإبداعية لدولة الإمارات 2021 - 2031. وهو التزام اتحادي، يرسخ مكانة الإمارات كقوة اقتصادية إبداعية قادرة على المنافسة عالمياً.
لم يعد قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية - المبني على إطار «اليونسكو» للإحصاءات الثقافية، مجرد إضافة هامشية إلى قصة الإمارات الاقتصادية، بل أصبح ركيزة أساسية للتنويع الاقتصادي الوطني. إذ يُسهم هذا القطاع بمليارات الدولارات في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي للبلاد، ويدعم مئات الآلاف من الوظائف الإبداعية. وتقود المرأة الإماراتية هذا النمو بصفتها رائدة أعمال، وأكاديمية، وقيّمة معارض، ومبدعة، لتُسهم بفعالية في تنمية المواهب، والإنتاج الثقافي، والتماسك الاجتماعي.
وفي يوم المرأة الإماراتية 2026، تكتسب هذه القصة صدىً خاصاً من الدكتورة نجاة مكي ولمياء قرقاش، اللتين ساهمتا في افتتاح الجناح عام 2009، إلى المعرض الفردي المُلهم لنجوم الغانم عام 2019، إلى اللحظة التاريخية التي حققتها عزة أبوعلم كأول امرأة إماراتية تتولى الإشراف على الجناح الوطني لدولة الإمارات في بينالي العمارة، وصولاً إلى الجيل الحالي الذي تمثله آلاء إدريس وفرح القاسمي في معرض «وشوشة» الذي أشرفت عليه بانة قطان، لم تكتفِ المرأة الإماراتية بالمشاركة في هذا الحدث، بل ساهمت في صياغته.
يستقبل الجناح الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة الزوار في معرضه «وشوشة» في منطقة «أرسنالي - سالي دي آرمي» بالبندقية حتى 22 نوفمبر 2026، وقد أشرفت على تنظيم المعرض بانة قطان، أمينة المعارض ومساعدة رئيس قسم المعارض في مشروع «متحف غوغنهايم أبوظبي»، بالتعاون مع أمينة المعارض المساعدة تالا نصار. وإلى جانب أعمال آلاء إدريس وفرح القاسمي ولمياء قرقاش، يضم المعرض أيضاً أعمالاً لكل من ميس البيك، وجواد المالحي، وتاوس مخاتشيفا.
وفي وقفة مع المنجزات الثقافية الاستثنائية للمرأة الإماراتية قالت القيّمة الفنية عزة أبوعلم: «يشرفني جداً أن أكون أول امرأة إماراتية تتولى الإشراف على الجناح الوطني لدولة الإمارات، لكنني لا أرى هذا الإنجاز مجرد حدث عابر، بل هو نتاج طبيعي لمسيرة طويلة حافلة بالاستثمار المستمر في الكفاءات الوطنية، وثمرة للثقة العميقة التي تولى للمرأة الإماراتية». وتابعت عزة أبوعلم: «ورسالتي التي أوجهها إلى كل شابة إماراتية هي أن تنظر إلى مجالات الإبداع، البحث العلمي، والقيادة بصفتها مساحات رحبة يمكنها أن تسهم فيها بكل ثقة واقتدار، وأن تدرك تماماً أن صوتها وخبرتها يمتلكان القوة والتأثير على المستويين المحلي والعالمي».
وحول كيفية التعامل مع تحدي تمثيل التحول العمراني أمام جمهور دولي في منصة عالمية كبينالي البندقية، أوضحت القيّمة الفنية عزة أبوعلم قائلة: «كان التحدي الحقيقي يكمن في تجاوز الصورة الذهنية النمطية التي تختزل عمارة دولة الإمارات بوصفها مجرد قصة نمو عمراني سريع».
وأضافت: «إننا نبرز للعالم كيف تستمر هذه العلاقة التفاعلية في صياغة مستقبِل دولة الإمارات، وكيف تساهم الهندسة المعمارية بشكل فعال في هذا المستقبل الواعد. فالأصالة بالنسبة لي لا تعني الاكتفاء بالنظر إلى الماضي والوقوف عنده، بل تكمن في فهمه المعمق واستخدامه ركيزةً ومنطلقاً أساسياً لابتكار حلول معاصرة ومستقبلية تخدم مجتمعاتنا».
وأكدت الفنانة والشاعرة والمخرجة نجوم الغانم، في قراءة متأملة لمسيرة تطور حضور المرأة الفنانة الإماراتية في الجناح الوطني لدولة الإمارات في بينالي البندقية، أن الجوهر الحقيقي يكمن في جودة ومضمون ما قدمته المبدعات الإماراتيات، وأوضحت أنه بعيداً عن لغة الأرقام، التي تمثل أحياناً مؤشراً قوياً على حجم المشاركة ومكانتها وتأثيرها الفني والثقافي والوطني، فإن الأهم في رأيها هو نوعية ما قدمه الجناح من أسماء نسائية تعاقبت عليه منذ التأسيس وحتى اليوم، وإن هذا الحضور يعد علامة بارزة على المكانة المرموقة التي حققتها المرأة في مجال الفنون داخل دولة الإمارات وخارجها.
وقالت الغانم: «تثبت هذه المشاركات قيمة الأعمال وأثرها، إذ جاءت في أغلبها غير نمطية وغير سائدة، بل تحاكي الأعمال الأكثر تقدماً وحضوراً في تاريخ الفن، متماشية مع المرحلة الزمنية والموضوعات والأدوات والوسائط الأكثر شيوعاً في تلك الفترات».
وأوضحت الغانم أنها تؤمن بأن كل فنانة لديها ما يميزها، وهي تعكس بالتأكيد الانشغالات الفردية والاحترافية. وستظل هذه الركائز هي العلامات والمؤشرات الدالة على أهمية الأعمال ومضمونها، والقضايا الجوهرية التي تطرحها.
ولفتت الغانم أنها لطالما شعرت بأن «الاختلاف» هو أصالة بحد ذاته وهو «جِدة» في نفس الوقت. وأنه من المهم أن تكون الفنانة جديدة فيما تطرح حتى لو رأى الآخر غرائبية ذلك. الغرائبي سيتحول إلى عادي في غضون وقت قصير. في البداية أي شيء يمكن أن يكون غريباً حتى يتفهمّه الكل «المجتمع»، وأن دور الفن هو الابتكار والتجديد.
اعتزاز وفخر
واعتبرت الفنانة الدكتورة نجاة مكي أن يوم المرأة الإماراتية، عند تأمل مسيرتها الاستثنائية، يدعو إلى الشعور بالاعتزاز والفخر، ليس فقط لما حققته المرأة من إنجازات في مجال الفنون خلال هذه الحقبة الزمنية، بل بالطريقة التي تشابكت فيها خيوط الطموح الفردي مع الرؤية الوطنية الكبرى للباني والمؤسس، المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي سعى لتمكين المرأة ورفع مكانتها. كما عززت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، هذه الرؤية، وكان لها دور رائد فتح آفاقاً واسعة من الطموحات أمام المرأة في مختلف المجالات العلمية والثقافية، ومن بينها مجال الفنون، من خلال قيادتها للمبادرات التي تشجع المرأة على أن تكون عضواً فاعلاً في المجتمع.
حضور روحي وثقافي
وأضافت أنه من خلال مسيرتها الشخصية كفنانة: «جسّدتُ المرأة في أعمالي ليس بصورة جمالية فقط، بل بحضور روحي وثقافي، فأنا أعتبر المرأة مصدراً للضوء والإلهام؛ ولذلك أستحضرها في أعمالي كقوة فاعلة في المجتمع، وككائن يربط بين الأرض والسماء، وبين الحلم والواقع. هي المبدعة، والأم، والصديقة، وهي في الوقت نفسه رمزٌ للهوية والذاكرة. وما شهدناه في ساحتنا الفنية هو انعكاس حي لهذه الرؤية، فمسيرتنا كفنانات إماراتيات تضعنا دائماً أمام مرآة الوطن، ونحن لم نكن يوماً بمعزل عن التحولات الكبرى التي شهدتها هذه الأرض الطيّبة».
واختتمت مكي حديثها بأن الجناح الوطني لدولة الإمارات في بينالي البندقية، منذ انطلاقه عام 2009، يمثل نافذةً مضيئة نحو العالمية، فقد عرّف العالمَ بالأبعاد الثقافية والفنية للدولة. وأوضحت أن هذه المنصة شكلت محطات استثنائية في الذاكرة الفنية عبر عرض أعمال رواد الحركة التشكيلية، إلى جانب تجارب معاصرة لفنانين وفنانات شباب دمجت بين الأصالة والتكنولوجيا والبحث العميق. وقد احتفى بهذه الأعمال النقاد العالميون، مما ساهم في كسر الصورة النمطية السائدة عن المرأة العربية، وأثبت امتلاكنا لصوت فلسفي وبصري لا يقل شأناً عن كبار فناني العالم.