هزاع أبو الريش (أبوظبي)
قدمت شخصيات وطنية عديدة إسهامات فكرية وثقافية شكلت هوية مجتمعاتنا وغدت مراجع ملهمة للأجيال، ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تأسيس متاحف مصغرة تخلد ذاكرة هؤلاء المبدعين، وتتيح للزوار معايشة تجربتهم الإنسانية والفنية عن قرب. إن عرض المقتنيات الشخصية للمبدع لا يمثل مجرد توثيق، بل ركيزة أساسية للهوية الوطنية، وتجسيد حي لمدى التقدير والاهتمام بتراث الوطن وتاريخ صناع ثقافته.
أكدت الدكتورة رفيعة غباش، مؤسِّسة متحف المرأة في دبي، أن المتاحف الخاصة تلعب دوراً محورياً في إرساء مفهوم الأفكار وبناء الصورة التي تجسد الوعي المعرفي الثقافي البنَّاء الذي يسهم في خدمة الإنسانية؛ إذ إنها تشكِّل جزءاً مُلهماً من الشغف لدى المهتمين بأمرٍ ما. ومن هنا تجسد المتاحف التخصصية، والتي تدور حول فكرة معينة، حالة من الوعي الذي يهم المعنيين الذين يبحثون عن شيءٍ ما ينقصهم، ويحاولون من خلال هذه الزيارة جمع حصيلة من المعلومات التي تسد حاجتهم، وتشبع ذواتهم، وتبني أفكارهم، وتلهمهم لاستكمال المشهد في تصورهم ومخيلتهم. ولفتت إلى أن التحديات ما زالت تواجه تلك المتاحف الخاصة على الرغم من وجود الدعم من أغلب الجهات والمؤسسات الثقافية، ولكن تبقى التحديات أكبر وأصعب، وبحاجة إلى دعم مباشر يحفز أصحاب المتاحف الخاصة على الاستمرارية والتطوير.
وتابعت غباش: «إنني بذلت جهداً كبيراً في سبيل إنشاء متحفَي المرأة والفن، وقدمت كل ما لديّ، سواء أكان مادياً أو معنوياً، لكي يكون مستواهما بمستوى المتاحف العالمية؛ لإيماني بالدور الذي سيقدمانه للوطن وللأجيال القادمة، وقد وضعت كل خبراتي الأكاديمية والبحثية وتجاربي التي نهلتها من خلال مسيرتي المهنية والعلمية في هذين المتحفين بكل شغف وحب وإخلاص».
وأوضحت غباش أنه يتوجب علينا الإيمان بدور المتاحف الخاصة؛ لأنها توثق مسيرة الإنسان الإماراتي، وتمنح الإبداع حضوراً خالداً في نفوس الأجيال وفي الذاكرة الوطنية، لتكون للهوية بصمة تعكس ملامحها على جدران الروح.
وقال الدكتور سيف الجابري، عضو جمعية الإمارات لرعاية الموهوبين ورئيس اتحاد الأكاديميين والعلماء العرب: «إنّ المتاحف الشخصية ثروة وطنية بامتياز؛ إذ ترفد المجتمع المعرفي، وتُعرّف الأجيال بالموروث الوطني الذي يحمل التاريخ الحضاري للدولة وشعبها، الذي حرص المبدعون من أبنائه على المساهمة بما يملكون من مخزون تراثي متعدد الأغراض في خدمة الوطن والفكر الإنساني. كما ترسخ المتاحف الشخصية للمبدعين، بما تحتويه من مقتنيات نادرة، سواء أكانت تحفاً أثرية، أم أدوات تراثية، أم وثائق تاريخية، أم لوحات فنية، أم مقتنيات ذات قيمة ثقافية رفيعة في المستوى والمضمون، أهمية بالغة لدى الزائر وهو يشاهد تلك المعروضات، وتجعل المبدع حاضراً في وجدان الناس، باقياً بأثره وتأثيره في نفوسهم وذاكرة المكان».
وأشار الجابري إلى وجود تحديات كبيرة تواجه هذه المتاحف، مثل غياب الدعم المؤسسي، وصعوبة إيجاد أماكن مناسبة للعرض، وعدم توافر الموارد الكافية لصيانة مقتنياتها وتحديثها. وأضاف: «ولكن بلا شك، إذا حضرت العزيمة ووضحت الفكرة فسيكون العمل المشترك إضافة حقيقية تؤدي دوراً مهماً في توثيق التراث، وتعزيز الهوية الوطنية، وتقديمه للأجيال القادمة، فضلاً عن كون هذه المتاحف عنصر جذب سياحي لمن يبحث عن تجارب ثقافية أصيلة يمكن استثمارها لمصلحة قطاعَي الثقافة والسياحة؛ إذ إنها توفر مصادر فريدة للباحثين والمهتمين والمعنيين بتاريخ المبدعين في الدولة».
مشاركة التفاصيل
وبينت الكاتبة السعد المنهالي أنها زارت البرتغال منذ عشر سنوات، وعلقت في ذاكرتها زيارتها لبيت الروائي خوسيه ساراماغو. فهي هناك لم تتجول بين الجدران والأثاث والمقتنيات، بل شعرت بأنها داخل حياة الكاتب، وشاركت في تفاصيله اليومية، وساهمت في صنع أدبه الذي جاوز حدود اللغات والقارات، لافتةً إلى أنه لهذا السبب تعتقد أن تلك المتاحف تقدم تجربة مثيرة؛ لأنها تجعل الغائب حاضراً، فالمبدع الحقيقي لا يترك أعمالاً فقط، بل يورثنا طريقة خاصة في النظر إلى حياته التي لن تحفظها إنتاجاته وصوره فحسب.
استفادة
وقال الكاتب والباحث في التراث جميع الظنحاني: «إنّ أغلب الدول استفادت من منازل المبدعين لتجعلها مزارات اقتصادية وروافد للمهتمين والباحثين والأكاديميين والطلبة، إذ إنّ المكان نفسه يترك طابعاً لدى الزائر يجعله يعيش تجربة المبدع عن كثب. ولمثل هذه المتاحف فوائد عدة، أبرزها الحفاظ على ذاكرة المكان، وتاريخ الإرث الإبداعي، والمساهمة في نمو الاقتصاد الوطني».
وأوضحت الكاتبة فاطمة الدربي أن مثل هذه المتاحف الشخصية تُعدّ صناعة إبداعية؛ إذ يمكن للمتحف أن يتحول إلى مركز يعقد الورش، والندوات، والمعارض، وغيرها؛ مما يخلق فرص عمل للمرشدين، والباحثين، والمصممين، وغيرهم، إضافة إلى كونه جسراً ممتداً بين المبدع والجمهور، مما يكسر الحاجز بين العبقري والزائر العادي.