كما هي الكتب التي نعود إليها حين لا ننتهي من قراءة كل صفحاتها، هي الحقائب التي تغلق أيضاً لتُفتح بعد السفر على آخر طيّاتها، فكلما أذنت لك السماء بالسفر أخذتك الحقيبة للأرض وللعتبات ولكلمات الوداع التي قيلت أمام شهود البيت الثلاثة؛ الباب والنافذة والعتبات، فالحقيبة هي التلويحة الأخيرة التي تسير معك نحو الغياب، كما أنها الرفيق الوحيد الذي واجه الغياب وأبى إلا البقاء معك، فمنذ ارتحال مضت عليه خمس سنوات ظلت حقيبتي الشريك الذي يقاسمني دفء حضنين؛ حضن أبوظبي وحضن عمّان، وفي كل مرة أحزم فيها حقيبتي من أبوظبي إلى عمان، أتأكد من أنني ملأتها فعلاً بذكريات الأصدقاء والمحبين في أبوظبي، والشيء ذاته أفعله حين العودة من عمَّان؛ فأملأ حقيبتي بكل الحنين الذي لا أريد أن أبقيه في عمَّان، فبيني وبين الحقيبة حوار وصداقة، فهي ما يذكّرني بموعد الإجازات والحجوزات والسفر، كما أنني وكلما صادفتها في ردهات البيت أجدها تسألني عن الشوق الذي يجتاحني لأعود لأبوظبي أو عمّان، ولنداءات المحبة والأخوة والألفة، فهي تعرف الطريق بين المطارين، وتعرف أن لعمَّان نبضاً لا يستقر إلا بحضن أبوظبي، فهي الكفّ الذي يصافح راحة عمَّان، وفي آن يستند إلى كتف أبوظبي، نعم تعرف حقيبة السفر الأمكنة، وتعرف مواعيد الصباحات ومتكأ الأمسيات... تعرف الشوارع والأزقة لكنها لا تعرف الغربة لأنها لم تفصلني يوماً عن خفقان قلب أبوظبي أو رقة فجر عمَّان، فكل ما تحمله من ملابس وهدايا وأوراق وأشياء صغيرة فيها تكون بمثابة دواء سيعالج قسوة المسافة، ودمعة الغياب، وذكرى صغيرة تنسدل على الخاطر فجأة.
لا تزعجني الحقيبة في الترتيب، لكنها تذكرني إذا تأخرت، ولا تمل من الوقوف على رصيف انتظار تاكسي أحد المطارين، فلطالما أعياني الازدحام والسهر والانتظار فاستحالت الحقيبة إلى وسادة أميل برأسي عليها، وكأنني أنام على وسائد أحد الفنادق الفاخرة، لأنها في ذلك الوقت ستغني لي أغنية العودة، وتقص عليّ قصة حلم بوجوه وقلوب لا تنسى، فهي لا تتعب ولا تنام، بل تجيد فلسفة الانتظار، ووعثاء السفر، وصبر المسافرين، وللحقيبة رفقاء كُثر، وحقائب جاءت من كل حد وصوب، لكنها تشترك في أنها تشتاق إلى أبوظبي وعمَّان، فلكل حقيبة تخرج من مطار لآخر حكايتها الخاصة، وتحمل ما لا يحمل من وعود وعهود قطعت لوصول مؤجل.