علي عبد الرحمن (القاهرة)

العمارة في جوهرها، ليست فنَّ تشييد الجدران بقدر ما هي المحاولة الأولى للإنسان لأن يمنح وجوده شكلاً قابلاً للسكن، وأن يصنع من الفراغ مأوى، ومن المكان معنى، ومن الحجر أثراً يواجه به قسوة العابر والزائل، ومن هذه الرؤية يمكن الاقتراب من كتاب «رحلة في فلسفة العمارة عبر العصور» لعلي عمر عصفور، بوصفه محاولة لتجاوز النظر إلى العمارة، باعتبارها مجرد منجز جمالي أو تقني، والنفاذ بها إلى فضائها الأعمق، حيث تتقاطع مع الإنسان وأسئلته الكبرى عن الوجود والزمن والمكان والمصير. فالعمارة، كما تكشفها هذه الرحلة، لا تسكن المكان فحسب، بل تسكن الوعي أيضاً، وتتحول من بناء للمأوى إلى بناء للمعنى.

الكتاب يقرأالتاريخ المعماري باعتباره انعكاساً لتحولات الوعي الإنساني، من الكهف، حيث كان الإنسان يواجه الطبيعة بحثاً عن الأمان، إلى المدينة المعاصرة التي يحاول فيها أن يفرض نظامه على عالم شديد التعقيد، تبدو العمارة وكأنها سيرة صامتة للإنسان وهو ينتقل من الخوف إلى المعرفة، ومن الحاجة إلى المعنى، ومن مجرد الاحتماء بالمكان إلى محاولة امتلاكه وتأويله.
 وتكمن قيمة الرؤية في أنها تستعيد للعمارة بعدها الفلسفي الذي كثيراً ما تحجبه التفاصيل التقنية، فالمبنى موقف من العالم، وحتى الفراغ الذي يبدو خاليًا من المعنى، قد يكون في الحقيقة أكثر العناصر تعبيراً عن رؤية الإنسان لنفسه وللآخر.

تحليل عميق للتجربة

اتساع هذه الرحلة يمثل في الوقت نفسه تحدياً نقدياً، فحين تمتد الرؤية عبر عصور وحضارات شديدة التنوع، يصبح من الصعب دائماً منح كل تجربة حقها من التحليل العميق، كما أن اختزال التحولات المعمارية في بعدها الفلسفي وحده قد يحجب أحيانًا تأثير عوامل أخرى لا تقل جوهرية، كالتكنولوجيا والاقتصاد والمناخ والسياسة.
ومع ذلك، تظل أهمية الكتاب في قدرته على استعادة السؤال قبل الإجابة: لماذا نبني؟ ولمن نبني؟ وماذا يبقى من الإنسان في المكان بعد أن يغادره؟ وهنا تتحول العمارة من موضوع للتاريخ إلى مرآة للوجود، وإن «رحلة في فلسفة العمارة عبر العصور» ليست، في جوهرها، رحلة بين مبانٍ، بل رحلة داخل الإنسان نفسه، ذلك الكائن الذي لم يكتفِ بأن يسكن العالم، بل ظل منذ البداية يحاول أن يمنحه شكلاً يليق بذاكرته، وخوفه، وأحلامه، وحاجته الأبدية إلى أن يترك أثراً يقول: كنت هنا.