أبوظبي (الاتحاد)
في زمنٍ تتسارع فيه وسائل التواصل، بينما تتباطأ فرص التفاهم بين الثقافات، تبدو المسافة بين «الأنا» و«الآخر» أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالتكنولوجيا التي جعلت العالم قريةً مفتوحة لم تستطع، بالضرورة، أن تهدم الجدران التي شيّدتها الصور النمطية، والمخاوف المتبادلة، وإرث المركزيات الثقافية التي تنظر إلى العالم من موقع الذات بوصفها معياراً للحقيقة.
من هذه المنطقة الشائكة يأتي كتاب «إدراك العالم: الصور النمطية المتبادلة بين الأنا والآخر» للكاتب والباحث زهير توفيق، الفائز بجائزة الشيخ زايد للكتاب 2026 في فرع الفنون والدراسات النقدية، ليعيد مساءلة واحدة من أكثر القضايا حضوراً في الفكر العربي والعالمي: كيف نصنع صورة الآخر؟ وكيف يصنع الآخر صورتنا؟ وهل يمكن أن نتحرر من الصور المسبقة التي تحكم علاقتنا بأنفسنا وبالعالم من حولنا؟
«نحن» و«هم»
لا يكتفي توفيق في كتابه بتوجيه النقد إلى المركزية الغربية أو الشرقية، بل يذهب إلى منطقة أكثر إشكالية، حيث تصبح الذات نفسها شريكاً في إنتاج الصور التي تشكو منها، وحيث يتحول الصراع التاريخي بين «نحن» و«هم» إلى منظومة من التصورات المتبادلة التي تتجاوز مجرد سوء الفهم لتصبح جزءاً من الوعي الجمعي.
ويطرح الكتاب سؤالاً يتجاوز حدود الثقافة والسياسة إلى جوهر علاقتنا بالإنسان المختلف: هل نستطيع الانتقال من منطق المغالبة إلى منطق المشاركة، ومن أيديولوجيا التفوق إلى قيم الكونية والإنسانوية والمساواة؟
وأوضح الدكتور زهير توفيق في حواره لـ«الاتحاد»، حول الوعيين العربي والغربي ومدى وقوعهما في فخ «المركزية الذاتية» نفسه، وما إذا كنا نتحمل جزءاً من صناعة هذا التشكيل، قائلاً: «إنّه في عالم تسيطر عليه المركزية الشرقية والغربية كأطر مرجعية ومعايير لتحديد الهويات وتقييمات الأنا والآخر، لم يَعُد بالإمكان توفير مساحة كافية لتمثيل الحقيقة الموضوعية، خاصة بعد استبعاد القواسم المشتركة والتنافس الشريف بين الطرفين، وتحوّل العلاقة بينهما عبر التاريخ إلى علاقة ضدية ومغالبة، وتأكيد للذات وانتصارها على غيرها بأي ثمن وبأي طريقة. وعلى هذا الأساس، لم يَعُد في العلاقة مكان للتفاهم والتسويات، بل أصبح كل شيء خاضعاً لمعادلة صفرية: إما نحن أو هم.. إما كل شيء أو لا شيء».
وتابع: «ولا يمكن لوم الآخر أو إعفاء الذات من المسؤولية، فمنهما معاً ولدت هذه التصورات المغلوطة أو الأوهام (بالمعنى الذي حدّده فرانسيس بيكون)، وتجذّرت في الضمير الجمعي وعقلية النخبة والشعب، وتجاوزت نفسها وأصبحت أكثر من مجرد أخطاء وسوء فهم متبادل. لقد احتل الصراع مكانة متقدمة في العصور الماضية، ولا تزال آثاره فاعلة حتى اليوم».
وأضاف: «ولا حل في الأفق إلا بسيادة القيم الإنسانية الكونية، وتحييد أيديولوجيا التفوق بكافة أشكالها وتفاصيلها العنصرية، أي تفكيك المركزية والعلاقات العمودية بين الجماعات. ولا يعني ذلك إذابتها في العولمة الثقافية - وهي القضية الخلافية في الفكر العربي الذي يحاول التحرر منها - بل المطلوب هو استعادة قيم التنوير المتمثلة في الكونية، والإنسانوية، والمساواة العالمية، والإخاء بين البشر، وبناء المصالح على المشتركات والقيم والمبادئ».
أثر مستقبلي
وأشار الدكتور زهير توفيق إلى الأثر المستقبلي لتجربة الكاتب الفائز بجائزة الشيخ زايد للكتاب، بتأكيده أنها منحته مزيداً من الثقة بمنهجه العلمي في تفكيك الظواهر الفكرية، والتفكير خارج الصندوق، واختيار مواضيع إشكالية تستحق المتابعة والمقاربة من جديد.