هزاع أبوالريش (أبوظبي)
بعض الذكريات تُعد مرجعاً مُلهماً للأدباء والكتاب، وفي أغلب الأحيان تُعد مصدراً مهماً للإلهام والإبداع، وفي رواية «الحارة الفاتنة» للأديب والكاتب الإماراتي حارب الظاهري، الصادرة عن دار بوملحة للنشر والتوزيع، التي ستكون متوفرة خلال فعاليات الدورة الخامسة والثلاثين من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، حاملةً معها سرداً أدبياً يستعيد جانباً من ذاكرة أبوظبي الاجتماعية والإنسانية خلال العقود التي شهدت بدايات تشكّل المدينة الحديثة واتساعها، حيث تؤثّث ذاكرة المكان صفحات الرواية بتفاصيلها وفصولها مزخرفة حقبة تمتد من سبعينيات القرن الماضي حتى تسعينياته، وهي مرحلة مفصلية في تاريخ الإمارة، شهدت تحولات عمرانية واجتماعية كبيرة وتكوّنت أحياء جديدة، وتدفق الناس إلى العاصمة من مناطق مختلفة داخل دولة الإمارات ومن خارجها، لتتشكل ملامح مجتمع متنوع جمعته المدينة في أحيائها وحاراتها وبيوتها.

وقال حارب الظاهري لـ«الاتحاد»: «الحارة الفاتنة» تستحضر ذاكرة المكان وذاكرة ناسه معاً، مستعيده الرواية أحياء أبوظبي القديمة، ومنها البطين والروضة، وما ارتبط بها من تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات بين الجيران وحكايات الأُسر والقادمين إلى المدينة، في وقت كانت فيه أبوظبي تنتقل بخطوات متسارعة من فضاءاتها الأولى إلى ملامح العاصمة الحديثة. لافتاً: ولا تتعامل الرواية مع المدينة بوصفها خلفية للأحداث فحسب، بل تجعل منها عنصراً أساسياً في الحكاية، فالحارات والبيوت والطرقات والمجالس والمستشفيات والأماكن التي عبرتها الشخصيات تتحول إلى شواهد على زمن كامل، بما حمله من بساطة وتحولات وأحلام وتبدلات في أنماط العيش والعلاقات الاجتماعية. وتابع: ترصد الرواية من خلال مصائر شخصياتها كيف صنعت تلك المرحلة ذاكرة مشتركة بين أبناء المكان والوافدين إليه، وكيف نشأت الصلات الإنسانية في مدينة كانت تكبر وتتغير أمام أعين سكانها. مؤكداً: تنطلق أحداث «الحارة الفاتنة» من رسالة خاطفة تصل من بغداد، لتتشعب منها سيرة حامد بين الرحيل والعودة، مستحضرةً تحولات رفاقه وما تركته السنوات في حياتهم. وبين أبوظبي وبغداد وفضاءات أخرى، تتقاطع الذاكرة الفردية مع تحولات المكان، وتصبح رحلة الشخصية مدخلاً لاستعادة زمن مضى واستنطاق أثره في الإنسان.
تقدم الرواية، في جانب من بنائها، صورة أدبية لذاكرة أبوظبي وناسها وحاراتها، فلا تكتفي بتسجيل التحول العمراني، وإنما تنفذ إلى ما وراءه، إلى العلاقات والصداقات والغياب والحنين، وإلى التفاصيل الصغيرة التي صنعت روح المدينة في مرحلة التأسيس والنمو.
ومن هنا تبدو «الحارة الفاتنة» أقرب إلى استعادة أدبية لزمن أبوظبي وتحولاتها، من خلال حكايات أشخاص عاشوا المدينة وهي تتشكل، وتركوا فيها شيئاً من سيرهم، كما تركت هي فيهم شيئاً من ذاكرتها. ومن المنتظر أن يشكّل صدور الرواية في معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته الخامسة والثلاثين فرصة للقراء للتعرف إلى تجربة سردية تستحضر مرحلة مهمة من الذاكرة المحلية، وتعيد تقديم أبوظبي القديمة لا عبر الوقائع والتواريخ وحدها، وإنما من خلال الإنسان والمكان والحكاية، وهي العناصر التي تحتفظ، بعد انقضاء السنوات، بصورة المدن كما عاشها أهلها، لا كما تسجّلها الخرائط.