أبوظبي (الاتحاد)
تقديراً لتجربة أسهمت في إبقاء الكلمة العربية حية في السمع والوجدان، وتكريماً لتاريخ فنيّ قدّمت خلاله أعذب الأغنيات التي كُتبت بقصائد فصيحة وأخرى عاميّة، اختارت جائزة الشيخ زايد للكتاب، التي ينظمها مركز أبوظبي للغة العربية، الفنانة المصرية القديرة «نجاة» شخصية العام الثقافية لدورتها العشرين.
ويتزامن هذا التكريم مع احتفاء الجائزة بمرور عقدين على تأسيسها، لتكون نجاة أول مطربة تنال هذا اللقب في تاريخ الجائزة؛ تكريماً لتجربة تركت في الثقافة العربية أثراً يتصل باللغة والشعر والموسيقى معاً، وتثميناً لمسيرة فنانة انحازت منذ بداياتها إلى نمط غنائيّ امتزج بعذوبة الصوت وفرادته، والبحث عن الكلمة التي تستحق أن تقدّم للجمهور، متبوعاً بألحان متعددة المذاهب أبدع فيها كبار الموسيقيين، أمثال: موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وكمال الطويل، وبليغ حمدي، وسيد مكاوي، ومحمد الموجي، وغيرهم من الأسماء الكبيرة.
وقال الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، أمين عام جائزة الشيخ زايد للكتاب: «جاء هذا التكريم للفنانة الكبيرة نجاة من جائزة الشيخ زايد للكتاب تقديراً لرحلة طويلة كانت نجاة خلالها خير معبّر عن المشاعر والأفكار والرؤى والأحلام، وتكريماً للأثر الذي صنعته عبر فرادة فنّها، وعذوبة صوتها، وحسن اختيارها لعذب الكلمة والنغم، فصارت أيقونة في مسيرة الغناء العربي، وأسهمت في رفع الذائقة وإثراء الوجدان، وباتت جزءاً أصيلاً من الذاكرة الثقافية العربية».
وأضاف «تكريم الفنانة نجاة بلقب «شخصية العام الثقافية» تأكيد على أن جائزة الشيخ زايد للكتاب تحتفي بكل تجربة فنية جمالية تسهم في إبقاء المعنى والمبنى الفصيحين للكلمة العربية حاضرين في الوجدان، وقد أكدت نجاة في تجارب كثيرة أن القصيدة العربية قادرة على الوصول والحضور والتأثير حين تجد من يمنحها صوتاً صادقاً ذكياً ومؤثراً».
وجسّد الشعر للفنانة نجاة البوابة التي عبرت منها إلى عوالم رحبة في مجال الغناء. هنا لم تعد المسألة مجرد أغنية ناجحة، وإنما نصٌّ شعريٌّ يعثر على حياة جديدة حين يصير صوتاً. ومع نزار قباني تحديداً، اتخذت هذه العلاقة واحداً من أكثر أشكالها وضوحاً؛ فقصائد مثل: «أيظن»، و«ماذا أقول له»، و«أسألك الرحيلا» عرفها جمهور واسع من خلال الغناء قبل أن يعرفها من خلال صفحات الشعر. وإلى جانبها، جاءت «لا تكذبي» من كلمات كامل الشناوي، و«إلا أنت» من كلمات مأمون الشناوي، وأعمال أخرى لشعراء بارزين في مسيرة الأغنية العربية، كما شكّلت «أوصفولي الحب» من كلمات مأمون الشناوي واحدة من المحطات المبكرة التي كشفت عن صوت يتجه إلى بناء شخصيته الخاصة، قبل أن تتسع تجربتها وتلتقي بأسماء صنعت جانباً كبيراً من تاريخ الموسيقى العربية الحديثة.
ولأن تجربة الفنان الكبير لا تُقرأ من مجال واحد، فقد كانت السينما فصلاً آخر في سيرة نجاة؛ إذ امتدت تجربتها السينمائية نحو ثلاثة عقود، قدمت خلالها 13 فيلماً، من بينها: «هدية»، و«بنت البلد»، و«غريبة»، و«الشموع السوداء»، و«شاطئ المرح»، و«سبعة أيام في الجنة»، و«ابنتي العزيزة»، و«جفت الدموع». وفي السينما وجدت الأغنية فضاءً آخر للصورة والحكاية، قبل أن يستقر حضور نجاة بصورة أكبر في الغناء؛ المجال الذي منح صوتها مداه الأوسع.
وعلى امتداد هذه الرحلة، نالت نجاة التكريمات؛ حيث نالت وساماً من الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ووِسامين من الرئيسين التونسيين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، ووِسام الاستقلال من الدرجة الأولى من الملك حسين بن طلال في الأردن. غير أن هذه الأوسمة، على أهميتها، تظل وجهاً من وجوه التقدير الرسمي لمسيرة أوسع؛ مسيرة لا يقاس أثرها بما حصلت عليه من تكريمات بقدر ما يقاس بما تركته من أثر في الذائقة، وبما بقي من صوتها وأغنياتها بعد أن تغيرت أزمنة كثيرة من حولها.
ولعل في اختيارها شخصية العام الثقافية من جائزة الشيخ زايد للكتاب ما يعيد قراءة هذه المسيرة من زاوية مختلفة؛ فالجائزة التي تحتفي بالكتاب واللغة والمعرفة تفتح، من خلال هذا التكريم، نافذة على ثقافة لا تعيش الكلمة فيها داخل الكتاب وحده؛ فاللغة قد تجد طريقها إلى الناس في قصيدة، أو في أغنية، أو في صوت قادر على أن يحمل المعنى من جيل إلى جيل. وفي تجربة نجاة، كانت القصيدة تعبر من الصفحة إلى الأذن، ومن الأذن إلى الذاكرة، ثم تستقر في مكان أبعد: في الوجدان.
لهذا، فإن تكريم نجاة أكبر من استعادة اسم فني كبير؛ إنه استعادة لفكرة الفن حين يكون قادراً على وصل ما يبدو متباعداً: الشعر والموسيقى، والفصحى والغناء، والنص والجمهور، الماضي والحاضر. وقد استطاعت نجاة، عبر اختياراتها وأدائها، أن تجعل عدداً من القصائد الفصيحة جزءاً من الذاكرة الغنائية العربية، وأن تمنح الأجيال الجديدة فرصة لأن تلتقي بالشعر من طريق لم يكن الكتاب وحده قادراً على فتحه.
وكان مركز أبوظبي للغة العربية قد أعلن عن تنظيم حفل تكريم للفنانة نجاة والفائزين بمختلف فروع الجائزة ضمن فعاليات الدورة الخامسة والثلاثين من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، التي تقام في مركز أدنيك أبوظبي خلال الفترة من 13 إلى 18 سبتمبر 2026.