أبوظبي (الاتحاد)

يثري برنامج «ليالي الشعر»، أحد أبرز فعاليات معرض أبوظبي الدولي للكتاب الذي ينظمه مركز أبوظبي للغة العربية في دورته الـ35، تحت شعار «لنقلبَ الصفحة ونقرأَ العالم»، ذائقة عشّاق القصيد بأمسياتٍ تقدّمها مجموعة من أبرز الشعراء الإماراتيين والعرب، تسلّط الضوء على الشعر الفصيح والنبطي، وتحتفي به موروثاً شعبياً أسهم في حفظ اللغة العربية والمفردات المحليّة، وتوثيق العديد من الأحداث التاريخية في المنطقة.
وافتتح البرنامج أنشطته، التي تتواصل طيلة أيام المعرض، بأمسيةٍ حملت عنوان «إيقاعات شعرية» شارك فيها الشاعر المصري أحمد بخيت، وهو أحد قامات الشعر العربي الفصيح في العصر الراهن، وأسماء الحمادي، شاعرة وكاتبة مقال وباحثة وناقدة إماراتية، وأدارها الشاعر والإعلامي الإماراتي عبد الله سعيد الكعبي.
وشهدت الأمسية حواراً عميقاً تناول تطوّر التجربة الشعرية لكلا الشاعرين، وفلسفة الإيقاع واللغة، ودور الجوائز في مسيرة المبدع العربي. وأكد الشاعر أحمد بخيت، الذي أصدر 10 دواوين شعرية، أن الكون كله قائم على الإيقاع الذي يمثل «بنية الحياة والحركة»، مشيراً إلى أن مهمّة الشاعر الحقيقية لا تقف عند تلقي الإيقاع، بل تتعداها إلى ضبط التناغم مع إيقاع الكون والمشاعر. وعن رحلته مع اللغة، قال إنها تبدأ عادة بأسلوب معقد لإثبات الإمكانات اللغوية، ثم تتجه مع نضج التجربة نحو البساطة والتوازن بين الفكرة والدفق الشعري، مؤكداً أن الجوائز، وتسليط الضوء على المبدع يمثلان بداية بناء مشروع شعري حقيقي، وجادّ وليسا مجرد غاية.
وقالت الشاعرة أسماء الحمادي، الحاصلة على جائزة «القوافي الذهبية» في العام 2006 من مهرجان الشعر العربي بالشارقة عن قصيدتها «الصبح مذهبها»، إن الإيقاع يتجاوز الوزن والموسيقى ليكون نظاماً كاملاً يتغلغل في الصورة والإحساس والبناء العام للقصيدة، لافتة إلى أن المشاركة في المسابقات والمهرجانات الكبرى تضع الشاعر أمام تحديات تدفعه لتطوير أدواته، وتجديد تجربته الشعرية أمام جمهور عريض، مع الاستمرار في تقديم مستوى فني رفيع.
وتخلّل الأمسية قراءات شعرية للضيفين؛ فقد ألقى بخيت، الذي حصد العديد من الجوائز والتكريمات في الإمارات ومصر، مجموعة من قصائده التي اتسمت بالتأمل والوجدانيات، ومنها قصيدة «إلى ليلى»، بينما قرأت الحمادي مقاطعاً من قصيدتيها «جنة الأمان» و«الصبح مذهبها».
وشهد مجلس «ليالي الشعر» أمسية ثقافية أخرى تناولت «حال الشعر العربي في اللغات الأجنبية»، أدارتها الشاعرة والمترجمة الدكتورة سارة حواس، وناقش خلالها الشاعر والباحث المغربي عمر الراجي، الذي حصد المركز الخامس في الموسم التاسع من برنامج «أمير الشعراء»، الإشكالية المعقدّة لواقع الشعر العربي وحضوره في الثقافات واللغات الأجنبية، وقال: الشعر هو الكائن الفنّي الأشدّ خصوصية والمكوّن الأساسي في تاريخ الثقافة العربية، فضلاً عن أن المقروئية تثير سؤالاً أعمق حول تراجع قراءة الشعر ككل عالمياً لمصلحة الرواية والفلسفة والعلوم الإنسانية».
وحول واقع الترجمة إلى اللغات الأجنبية، كشف الراجي أن حضور النص العربي المترجم في الغرب- كالفرنسية والإسبانية- لا يتأسس في الغالب على تفاعل حقيقي مع حساسيات العالم الشعري، بل يتم التعامل معه كـحضور تمثيلي مجزأ في أطر أكاديمية أو أرشيفية؛ يُصنف فيه النص مجرد نماذج (كالشعر الأفريقي أو الصيني أو العربي) للتركيز على الجانب الشكلي والتراثي منه فقط. وأضاف أن الترجمة تفقد النص العربي القديم أهم ركائزه الجمالية المتمثلة في البناء الإيقاعي المركّب، ومع ذلك فقد شدّد على رفض خيار الانعزال، مؤكداً أن الترجمة الجيدة والدعم المؤسسي هما الجسر الوحيد لتعزيز حضور الشعر عالمياً.
وأوضح الراجي أن الشاعر لا بد أن يكون «مؤسسة قائمة بذاتها» تنفتح على العالم ولا تنتظر الدعم الثقافي والإنفاق الحكومي فقط، مستشهداً بالدور التاريخي المبكر للكتّاب المغاربة من خلال مجلة «أنفاس» التي نقلت التجارب الشعرية العربية والمشرقية - كتجربة محمود درويش - إلى اللسان الفرنسي. كما استشهد بالتجربة الدولية للشاعر أدونيس وحضوره العالمي واللاتيني. وحذر الراجي من إشكالية «الاختزال السياسي» في ترجمة الشعر العربي.
ويولي معرض أبوظبي الدولي للكتاب الـ35، الذي تقام فعالياته خلال الفترة من 13 إلى 18 سبتمبر 2026، في مركز أدنيك أبوظبي، اهتماماً كبيراً بالتراث الثقافي والموروث الشعبي، عبر برنامج «ليالي الشعر»، بوصفه جزءاً من الهوية الوطنية، وذلك ضمن رؤيته الشاملة لتعزيز حضور اللغة العربية في المجتمع.