حمل هذا العام 2026 شعار «عام الأسرة»، وفيه أسهمت المؤسسات والجامعات والمدارس ومجمل الفعاليات في جعل شعار هذا العام ملموساً ومطبقاً، ليس من باب التآلف الاجتماعي وحسب، بل وفي العودة إلى حياض الأسرة. ففي الواقع، تأثرت الأسرة أيما تأثير بالحداثة وبجملة العوامل الحديثة التي أتت على حقبة «ما بعد الإنسان» على حد وصف بعض النقاد والخبراء.
ففي هذه الحقبة، دخل الذكاء الاصطناعي والروبوت والشاشات التي باتت مجلسنا ومائدتنا وسميرنا، حتى إن أفراد الأسرة - من أب وأم وأبناء - يجلسون مع هواتفهم وحواسيبهم أكثر مما يجلسون مع أنفسهم وأسرتهم. من فواعل الحداثة في البنية الاجتماعية أنها حوّلت العديد من الأسر إلى شكل «الأسرة النواة»، بعد أن كانت الأسرة التي تضم الجد والجدة والأبوين والأحفاد تُعرف بـ «الأسرة الممتدة».
وفي هذا العام، كانت الفعاليات والندوات توصي وضوحاً بالحفاظ على الأسرة، علاقةً وبنياناً ومرجعيةً. فالأسرة هي المحضن الطبيعي الذي لا ينمو فيه الجسد ويكبر وحسب، بل يتلقى فيه الطفل ويتعلم أبجديات الحياة والتعامل، ويتمثل فيها القدوة، قبل أن تأخذه المدرسة والحارة والمطارات... وإذ يوشك هذا العام على الانقضاء، فإن خير توصية نختم بها هي دعوة أبنائنا إلى الاقتراب أكثر من حديث الجدات، والإنصات إلى سردياتهنّ التي تروي قصص البدايات والرعيل الأول، فهم خير قدوة ومثال.
إن قصص الأجداد تعلق في القلب قبل الذاكرة، ومعها يظل البال مطمئناً، فلن يكون هناك من هو أكثر حرصاً من الجد والأب على مصلحة الابن، وعلى حلمه ووجعه وشكواه، حتى وإن غدت المدرسة - باعتبارها البيت الثاني - موئلاً للاستعداد للطموحات وبناء المستقبل. وكغيري، ينتابني الحماس لأعرف ماذا سيكون شعار عام 2027، ولعله سيكون امتداداً لما أسفرت عنه فعاليات «عام الأسرة» من توصيات، وإتاحةً للمجال كي تتحول تلك التوصيات من أفكار إلى ممارسة وحياة.

وإن من أجمل ما سمعته في إحدى الندوات والمحاضرات التي أُقيمت هذا العام، هو أن الأسرة ستظل هي السد المنيع في وجه التحديات الرقمية والتربوية والثقافية، وأن صرعات الحداثة ومفاهيمها وتطبيقاتها يجب أن تظل في حدود الأطر الوطنية التي تنطلق من الأسرة إلى العالم. لذا، ولكي تحافظ الأسرة على ديناميكيتها وأسسها، يلزمها أن تتمسك بتراثها، فهو ماضيها ومستقبلها، ومن سيحفظ كينونتها ومستقبلها.