محمد عبدالسميع
بعد تكهّنات لم تهدأ في الأيّام القليلة الماضية، صدقت التوقعات التي توّجت «آن كارسون» بـ جائزة نوبل للآداب 2026، استحقاقاً لمسيرتها الحافلة كشاعرة كنديّة، وكاتبة مقالات، وأستاذة للدراسات الكلاسيكيّة، ومترجمة فذة.
ويسلط التتويج العالمي الضوء مجدداً على منجزها الثقافي المتعدد، والذي يمزج بسلاسة بين الشعر والنثر، والقصص المعاصرة والأساطير القديمة، وسيبقى كتابها «سيرة ذاتية للأحمر» محوراً لنقاشات قرائية ونقدية مطولة عبر مختلف الأوساط والمنصات الأدبية.
ومن منظور سيرة الأديبة آن كارسون، ذهبت الأكاديميّة السويديّة في هذه الجائزة إلى مبدأ تعدد الأجناس الأدبيّة وتنوّعها، والاهتمام بتداخل الحقول الأدبيّة في شخص الشاعرة آن كارسون، التي جمعت بين الشعر والكتابة والنقد والبحث والأسطورة. وهو ما يؤكّد أنّ الآداب جميعها تتصل في الهدف وتنبع من مشكاةٍ واحدة، وأنّ الفن يستقي أفكاره من الثقافة، التي هي مفهوم شامل يتداخل مع شتى المعارف.
لغة عالمية
وإذا كانت «الترجمة» أبرز حقول الكاتبة آن كارسون، فكيف بمشروعها الشعري الذي نقل الأحداث، وأبان عن خوالج النفس البشريّة في شتى بقاع المعمورة؟ إذ تنقل من خلاله الأساطير في ملاحم شعريّة رائعة، ما تزال الأذهان والأفئدة تنزع إليها كلما دعا داعي الحنين إلى الجذور التاريخية للحكايا القديمة. وأمام هذا التدفق الإبداعي يبرز السؤال: كيف لا تتوجه الأنظار إليها، وهي التي عاينت الأسطورة القديمة وأعادت بناءها شعراً؟ أمّا مقالاتها، فما هي إلا فيضٌ نابع من ثقافتها وفكرها الرصين الذي ضمّنته جلّ مؤلفاتها المعرفية.
وعي الكاتب
تُمثّل «نوبل للآداب» محط أنظار الجميع، نظراً لقيمتها الرفيعة وارتباطها بالنخبة وأصحاب التجارب الأدبية الاستثنائية من مختلف دول العالم. وفي سياق استشراف الفوز بدوراتها القادمة، يبرز سؤال جوهري يواجهنا نحن العرب: «هل ينبغي لنا الانكفاء على التخصص الفكري في قطاع الشعر فحسب؟ أم يتعين علينا الانطلاق نحو آفاق أرحب تشمل العمل الصحفي، وكتابة المقال، وخوض عوالم الرواية والمسرح والميثولوجيا؟».
إن الغاية هنا ليست مجرد إصدار مؤلفات عديدة تلبي «وعي الجائزة» ومعاييرها، بل تكمن الأهمية الحقيقية في تجسيد «وعي الكاتب» نفسه، ومدى عمق مشروعه الفكري والجمالي والتأثيري الذي يشتغل عليه ويقدمه للعالم.
وشهدت الجائزة ترشيحات لـ «نوبل للآداب 2026»، ذكر فيها المتابعون أسماء من الصين، وأميركا اللاتينية، واليابان، وأستراليا، من بينها «نساء عربيات» يثق بحضورهنّ الجمهور؛ فبات العمل والترويج على قدم وساق، كما هو الحال في كلّ مرّة يُعلن فيها الفائز بهذه الجائزة العالمية.
قصيدة مفقودة
وبالعودة إلى سيرة كارسون ومسوّغات فوزها بالجوائز، نجد ترشيحها لجائزة «الكتاب الوطني للشعر» لعام 2024 عن مجموعتها «المعيار الخاطئ»، وفوزها بجائزة «بين/نابوكوف» للتميّز في الأدب العالمي عام 2021. ناهيك عن ذلك الشغف القرائي الذي يثيره مجرّد سماع عنوان كتابها «سيرة ذاتية للأحمر»؛ الذي امتلأت صفحاته بالشعر والأسطورة، والمستوحى من قصيدة مفقودة للشاعر اليوناني القديم ستيسيكوروس، إذ يشكّل الكتاب إعادة صياغة بوجدان الكاتبة المولودة عام 1950 في كندا والمقيمة في نيويورك.
وتتضاعف هذه الأهمية حين تكون موضوع إشادةٍ من نقّاد عالميين، وصفوها بأنها واحدة من كبار المبدعين في فنّ المحاكاة الأدبيّة ودمج الأساليب، متناولةً مواضيع إنسانية حول الاختلاف والعزلة والألم العاطفي وغيرها من مشاعر الحب الإنسانية.
تحولات جذرية
وامتداداً للحسّ الإنساني لدى كارسون، كان ديوانها «جمال الزوج» محطّ اهتمام النقّاد والقراء وإشادتهم؛ بوصفه عملاً شعرياً يطمح إلى إحداث تحولات جذريّة في وجدان الإنسان، مشرعاً أمامه آفاقٍ رحبةٍ، باعتبار الشعر فنًّا ومضمونًا يستمدّه الكاتب من عمق الحياة وتفاصيلها؛ تلك التفاصيل التي يمكن أن تندثر إن لم تتعهّدها فكرة شاعرٍ ينتبه إلى أدقّ الأمور. وهو ما تجسّد في تجربة كارسون التي نهلت من الأسطورة اليونانيّة القديمة، إذ وظّفت شغفها العميق بالأدب الكلاسيكي والهيليني، وهي التي نالت الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكيّة، وعملت أكاديميةً في جامعاتٍ مرموقةٍ عديدة.
توظيف الأسطورة
ويستشعر المهتمّ والدارس لسيرة الشاعرة آن كارسون حضورَ مساحة نفسية واضحة في نتاجها الأدبي، تجلّت وهي تكتب ديوانيها «رجال في أوقات فراغهم»، و«زجاج، وسخرية» مطلع التسعينيات. ومثلما جعلت من «سيرة ذاتية للأحمر» رواية شعريّة، أعادت عبرها قراءة شخصية هرقل وروعة الأسطورة، موظفةً إياها توظيفًا عاطفيًّا يجسد انكسار القلب، سارت على النهج ذاته في كتابها «إيروس: العذب والمرّ»، الذي حظي بإشادة نقديّة واسعة.
قوة الرواية الشعرية
يشتمل كتاب «رجال في أوقات فراغهم» للشاعرة كارسون على مجموعة قصصية تتضمّن نقوشاً جنائزيّة، وقصائد حبّ، ومقالات شعريّة، ونصوصاً تصويريّة. في حين جاء كتابها «جمال الزوج: مقال روائي في 29 رقصة تانغو» مؤثراً إلى الحدّ الذي يضعنا أمام ذروة العاطفة، ويختبرها بقوّة الرواية الشعريّة. ومن هنا، لم يكن غريباً أن تنال كارسون زمالة «العباقرة» من مؤسسة ماك آرثر عام 2000؛ لتواصل مزج الشعر والمقالات والأوبرا في مؤلفاتها، عبر قصائد غنائيّة قصيرة، وسيناريوهات، وموسيقى دراميّة، وفقرات نثريّة تجمع بين النقد الأدبي والبحث الفلسفي؛ في تجسيدٍ حيّ لما يراه شارحو نتاجها من تجرّدٍ عن الذات وتفكيكٍ للكينونة الكامنة في أعماقنا، سعياً نحو الاكتمال الميتافيزيقي المنسجم مع الكون.
فنانة بصرية
ترى الأديبة الكندية آن كارسون نفسها فنانة بصرية في المقام الأول لا لفظية، مدفوعةً باهتمامها المبكر بالرسم، وهو ما يتيح لها إمكانات متعددة للتعبير عن اللغة وتجاوز النص، وصولاً إلى حرية مطلقة في معالجة المفاهيم والمشاعر الإنسانية. ويتجلى ذلك بوضوح في أحدث معارضها الفنية بعنوان «البركان الكتوم» (The Reticent Volcano)، الذي رصدت فيه تدفقاً هائلاً من التجارب الإنسانية المتداخلة، متأملةً طبقات الحمم البركانية في محاولة لاستيعاب وتحليل ثوران منطقة «إلدفورب» (Eldvörp) التابعة لنظام «سفارتسينجي» (Svartsengi) البركاني في آيسلندا.