أبوظبي (الاتحاد)
اختتم «كونغرس العربية والصناعات الإبداعية 2026»، الذي ينظّمه «مركز أبوظبي للغة العربية» التابع لـ «دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي»، أعمال دورته الخامسة التي حملت شعار «العربية بوصفها بنيةً حضارية: الهوية والمعرفة والقوة الاقتصادية في العصر الرقمي»، مسلّطاً الضوء على المنظومات والشراكات والاستثمارات الكفيلة بتعزيز حضور العربية في الاقتصادين الإبداعي والرقمي.
وناقش البرنامج سبل الاستثمار في الملكية الفكرية والمشروعات الإبداعية، وتقنيات اللغة، والمنصات الرقمية، إلى جانب تنمية المواهب وتمكينها، بما يسهم في تحقيق قيمة ثقافية واقتصادية مستدامة. 

افتتاح الجلسات الحوارية ورؤية القيادة
واستهلّت أعمال الكونغرس بجلسة حوارية جمعت معالي محمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، والدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، تناولت تطلعات الشباب العربي تجاه لغتهم، ودورهم في تعزيز حضورها في العصر الرقمي، كما سلّطت الضوء على تصوراتهم لمستقبل العربية وطموحاتهم لها.
وقال معالي محمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي: «تنظر أبوظبي إلى الثقافة والصناعات الإبداعية بوصفها ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية، وتُمثّل اللغة العربية الأساس الذي ترتكز عليه هذه المنظومة. ولا تقتصر مسؤوليتنا على صون اللغة، بل تمتد إلى تمكينها لتبقى لغةً للمعرفة والإبداع وريادة الأعمال لدى الأجيال القادمة».
وأضاف معاليه: «يترجم كونغرس هذا العام هذا الالتزام من خلال مبادرات وخطوات عملية، بدءاً من تقديم رؤى جديدة حول علاقة الشباب باللغة العربية، وإصدار الورقة البحثية الأولى «من أصالة الجذور إلى مواكبة العصر»، والإعلان عن نتائج النسخة الثانية من دراسة نبض الشباب العربي في الصناعات الثقافية والإبداعية، وإطلاق المرحلة الثانية من مشروع المكنز العربي المتوازن لتقييم الانقرائية (BAREC 2.0)، وبناء شراكات نوعية تُعزّز حضور العربية في مجالات التصميم والصناعات الإبداعية العالمية. ومن خلال هذه الجهود نفتح آفاقاً جديدة أمام اللغة العربية لتؤدي دوراً فاعلاً في صياغة مستقبل التعليم والابتكار والثقافة والنمو الاقتصادي».
وتابع: «على مدى خمس دورات، لمسنا ما يضيفه المبتكرون والمبدعون وروّاد الأعمال الشباب إلى حواراتنا من طاقة جديدة ورؤى مختلفة. ومن خلال «كونغرس X الشباب»، أصبح الشباب شركاء فاعلين في صياغة الحوار، لا مجرد مشاركين فيه. فمسؤوليتنا ليست رسم مستقبل العربية نيابةً عن الأجيال المقبلة، بل تهيئة البيئة التي تمنحهم الثقة والفرص والأدوات اللازمة للإسهام في صياغة هذا المستقبل بأنفسهم، لأن الشباب هم العنصر الاستراتيجي الأهم في مسار اللغة العربية، ومن خلالهم نستطيع تعزيز حضور المحتوى العربي وزيادته».
وأكد معاليه أيضاً أن الاطّلاع على التكنولوجيا والمحتوى العالمي والاستفادة منهما لا يعني أن نُضفي الطابع الغربي على اللغة العربية. على العكس، يمكننا الاستفادة من أحدث التقنيات والأفكار وتقديمها بصوت عربي وبطابع عربي، بما يعزّز حضور اللغة العربية ومحتواها في حياة الأجيال الجديدة.

وأشار معاليه إلى أنه: «من المهم إنشاء منصات تتيح مشاركة الثقافة وتبادلها، وتوسّع نطاق وصولها إلى جمهور أوسع. وتوفر الورقة البحثية التي أصدرها الكونغرس، استناداً إلى نتائج دراسة نبض الشباب العربي في الصناعات الثقافية والإبداعية لعام 2025، مؤشرات مهمة لفهم علاقة الأجيال الجديدة باللغة العربية وتطلعاتهم إلى مستقبلها، بما يساعدنا على تطوير مبادرات تستجيب لاحتياجاتهم».
وفي ختام الجلسة، وجّه معاليه رسالة داعمة إلى الشباب، قائلاً: «ومن أبوظبي، أدعو شبابنا إلى أن يجعلوا من هذا الكونغرس مساحة للتعلّم، وطرح الأسئلة، وتبادل الأفكار، وقبل كل شيء، الإبداع. أبدعوا بالعربية، أبدعوا من أبوظبي، وقدّموا أعمالاً تنطلق من أبوظبي لتصل إلى العالم».
تمكين العربية في الاقتصاد الرقمي والشراكات العالمية

ومن جانبه، قال الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية: «يشكّل كونغرس العربية والصناعات الإبداعية منصةً رائدةً لتعزيز بناء الأنظمة والأطر والأدوات التي تتيح للإبداع باللغة العربية أن يواكب التحولات المتسارعة في الاقتصاد الرقمي العالمي، وأن يزدهر ويعزّز قدرته على المنافسة. طموحنا أن تكون العربية لغةً للمعرفة والإبداع والفرص الاقتصادية، وأن نواصل من أبوظبي بناء المقوّمات التي تمكّن الأفراد من التعلّم والابتكار والإبداع وريادة الأعمال بالعربية، بما يعزّز حضورها وقدرتها على المنافسة عالمياً».
وأضاف: «يحوّل الكونغرس هذا الطموح إلى عمل مشترك وأثر ملموس، إذ تبدأ هذه المهمة بفهم واقع استخدام العربية واحتياجات أبنائها. ويُظهر استطلاع نبض الشباب العربي، الذي أجراه المركز بالتعاون مع (Strategy&) و(Ipsos) في عشر دول بالمنطقة، أن 91% من الشباب يستخدمون العربية في المنزل، مقابل 64% في العمل أو الدراسة، فيما يعتقد 77% منهم أن الإنجليزية لغة أساسية لتحقيق أهدافهم، ويطالب نصفهم بمزيد من الاستثمار في لغة الضاد في السبل التكنولوجية وأدوات الذكاء الاصطناعي. وتؤكد هذه النتائج الحاجة إلى توسيع الفرص المتاحة بالعربية في التعليم والعمل والاقتصاد الرقمي».
وتابع: «تفتح الشراكات مع العلامات العالمية آفاقاً جديدةً لتعزيز حضور العربية وإبراز قيمتها في مجالات التصميم والمنتجات المعاصرة. ونعتز بمشاركة «IWC شافهاوزن»، شريك الوقت الرسمي للكونغرس، وإطلاقها إصداراً من ساعاتها بالأرقام المستخدمة على نطاق واسع في المنطقة العربية، في مثال يعكس حضور العربية في التصميم المعاصر، وما يمكن أن تضيفه هويتنا الثقافية إلى المنتجات العالمية وتجربة جمهورها. فمكانة العربية لا تتجلى في استخدامها فحسب، بل تمتد إلى قدرتها على الإسهام في تشكيل المنتجات والتجارب التي تخاطب جمهوراً عالمياً».

حوارات الفكر والهوية والسياسة الثقافية 
وتلت هذه الجلسة سلسلةٌ من الحوارات المبتكرة التي جمعت نخبةً من المبدعين والمستثمرين وممثلي شركات التكنولوجيا وصنّاع القرار. وناقشت دورة هذا العام علاقة اللغة العربية بالهوية في عالم متغير، وتحويل المحتوى إلى أصول للملكية الفكرية، وآليّات تمويل الصناعات الإبداعية العربية، وسبل نقل الأبحاث المرتبطة باللغة العربية والذكاء الاصطناعي إلى تطبيقات عملية قابلة للتنفيذ والتوسع، إلى جانب دور الحكومات في بناء منظومات داعمة للصناعات الإبداعية العربية وتعزيز حضورها عالمياً.
ففي الجلسة الحوارية التي جاءت بعنوان «اللغة العربية والهوية في عالم متغير»، أكدت آن كلير لوجندر، رئيسة معهد العالم العربي في باريس: «المجتمع العربي مجتمع شاب، ولذلك فهو شريك أساسي في بناء المستقبل، وهو ما يؤكد أهمية اللغة العربية. وفي فرنسا، نشهد اليوم نمواً بنسبة 300% في الإنتاجات والإبداعات باللغة العربية، بما يعكس الطلب المتزايد على المحتوى العربي». كما أشادت بجهود مركز أبوظبي للغة العربية في تعزيز حضور اللغة العربية، مؤكدة أن المركز يمضي في الاتجاه الصحيح نحو تحقيق أهدافه.
وفي فقرة خاصة بعنوان «العربية وأوروبا: حكاية لقاء»، قدّم المؤرخ وأستاذ العلوم السياسية وصانع المحتوى روي كاساغراندا قراءة تفاعلية لتاريخ التبادل الحضاري بين العالمين العربي والغربي، قائلاً: «التفاعل بين العرب وأوروبا عميق ومتواصل، وكانت إسبانيا أحد أهم جسوره، فما بين 8% و9% من مفردات اللغة الإسبانية تعود إلى أصولٍ عربيةٍ، ولا تزال أسماء عربية حاضرة في كثير من مدنها ومواقعها. إن البحر المتوسط فضاء واحد، وما يجمع شعوبه عبر التاريخ أكبر من الفروق المصطنعة التي تفصل بينهم».
وفي حوار مبتكر بعنوان «دور الحكومات في بناء منظومة داعمة للصناعات الإبداعية العربية عالمياً»، استعرض البروفيسور آندي برات، أستاذ كرسي اليونسكو للاقتصاد الإبداعي العالمي والأستاذ الفخري في الاقتصاد الثقافي، دور السياسات الحكومية في بناء منظومات تدعم المبدعين وتسهم في تطوير مسارات مهنية مستدامة، من خلال تنمية المواهب، وتوفير فرص التمويل، وتعزيز الدعم المؤسسي، وبناء منصات تتيح للمشروعات الإبداعية النمو والمنافسة عالمياً. وأدارت الجلسة إيليني جيوكوس، مذيعة ومقدمة برامج الأخبار والأعمال في شبكة (CNN).

برنامج «كونغرس X الشباب» والورش التطبيقية
وإلى جانب البرنامج الرئيسي، قدّم برنامج «كونغرس X الشباب» سلسلةً من الدروس التطبيقية وورش العمل والمحاكاة الحية والتجارب المهنية، التي أتاحت لطلبة الجامعات والمبدعين الناشئين والمهنيين الشباب فرصاً لاكتساب مهارات عملية والاستفادة من خبرات نخبة من قادة الصناعات الإبداعية.
وقدّم الروائي وكاتب السيناريو الأميركي تود غاليكانو برنامجاً تدريبياً متخصصاً حول بناء العوالم السردية، ركّز على تطوير الشخصيات والمجتمعات وتحويل الأفكار الإبداعية إلى ملكية فكرية قابلة للتوسع عبر منصات متعددة.
كما أتاحت منصة (CNN بالعربية) تجارب عملية قربت المشاركين من واقع العمل داخل غرف الأخبار، وشملت محاكاة لغرفة أخبار عالمية ودورة متخصصة في صحافة الهاتف المتحرك، تناولت إنتاج المحتوى واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث والتصوير وتسجيل الصوت والتحرير والنشر.
وقدم أنس شطارة من منصة (تيك توك) ورشة عمل بعنوان «الجودة أولاً»، تناولت أهمية المحتوى عالي الجودة في بناء الثقة مع الجمهور، وتعزيز الحضور الرقمي لصناع المحتوى، وفتح آفاق جديدة على المنصة.
واختتم «كونغرس X الشباب» فعالياته بإعلان الفائزين بـ «جائزة ابتكار الشباب»، التي كرّمت أفكاراً ومشروعات تسهم في دعم العربية عبر التكنولوجيا والسرد والتصميم وغيرها من المجالات الإبداعية.

منصات التواصل المهني والختام الموسيقي 
وشهد الكونغرس كذلك إطلاق النسخة التجريبية من «منصة كونغرس العربية والصناعات الإبداعية للتواصل المهني»، التي جمعت المبدعين والمستثمرين والباحثين وصناع القرار من المنطقة والعالم. وأتاحت المنصة للمشاركين إنشاء ملفات مهنية، وجدولة الاجتماعات، وبحث فرص التعاون والإرشاد المهني خلال الفعالية وبعدها.
واختتم الكونغرس برنامجه بأمسية حوارية موسيقية بعنوان «الموسيقى: لغة لا تحتاج إلى ترجمة»، استضافت الفنان وكاتب الأغاني والعازف المصري حمزة نمرة، وأعقبها أداء موسيقي حي.
ومن خلال جلساته المتخصصة وبرامجه العملية، جمع الكونغرس بين الحوار المتخصص وتنمية المهارات والتجارب الإبداعية وبناء العلاقات المهنية، مؤكداً أهمية التعاون بين المؤسسات الثقافية والمبدعين والمستثمرين وشركات التكنولوجيا وصناع القرار في بناء منظومة متكاملة تتيح للأفكار العربية النمو والازدهار، وتعزز حضور لغة الضاد في الاقتصاد الإبداعي العالمي.