بقلم: لطف الله غوكتاش* 

قطعة قماش مطرّزة بأنامل صبورة، منشفة نسجتها أم بحب لا ينفد، أو حليٌّ وُضعت برفق في قاع صندوق عتيق… لمن يمر بها عابراً، قد لا تعدو هذه المقتنيات كونها أشياء عادية نسجتها الأيادي. غير أن العين التي تبصر بروح التراث تدرك فوراً أن خلف هذا الصمت حكاياتٍ مفعمة بالدعوات، وأمنياتٍ صاغتها الأمهات جيلاً بعد جيل. إنها ليست مجرد أقمشة ومعادن، بل كينونة متكاملة من الوداد والبرّ، تتناقلها الجدات والحفيدات في طقس عائلي مهيب.
في معرض «كنوز العرائس: رحلة في جهاز العروس العثماني والأناضولي»، الذي تحتضنه منارة السعديات في أبوظبي حتى الثامن والعشرين من أكتوبر، تتجلى هذه الحقيقة بأبهى صورها. فالزائر لا يقف هنا أمام شواهد متحفية جامدة، بل أمام مرآة تعكس الروح العميقة للبيت، وتكشف كيف أننا في الإمارات وتركيا ننهل من حوض حضاري وإنساني واحد، تلتقي فيه المشاعر وتتشابه فيه العادات إلى حد الدهشة. ويأتي احتضان أبوظبي لهذا المعرض بالتزامن مع «عام الأسرة» ليمثل توافقاً بديعاً يمنح المناسبة بُعداً إنسانياً أعمق.
ولعل المقارنة بين الجهاز في الثقافة التركية، و«الزهبة» في التقاليد الإماراتية، تقدم البرهان الأجلى على هذا التلاقي. صحيح أن التفاصيل تختلف شكلياً، فالأعراف في تركيا جرت على أن تُعد عائلة العروس هذا الجهاز وتجهزه طوال سنوات نشأتها، بينما تتولى عائلة العريس في الإمارات إعداد «الزهبة» وتقديمها في «المندوس» تكريماً واحتفاءً، إلا أن الجوهر في الحالتين واحد: الأسرة ومكانتها المقدسة. ففي كلا المجتمعين، لا يُترك شابان يقبلان على بناء بيت جديد وحيدين، بل تحيطهما العائلة بفيض من التضامن والرعاية، وتودعهما بحصن حصين من الدعاء والمباركة.
إن هذا القرب لا يقف عند حدود التقاليد، بل يمتد إلى أعماق اللغة ذاتها. فكلمة «تشييز» (Çeyiz) التي يستخدمها الأتراك للدلالة على جهاز العروس، تعود في أصلها التاريخي إلى جذر الكلمة العربية «الجهاز»، أي ما يُعد ويُهيأ لحاجة الإنسان. وكأن اللسان، بعفويته، يأبى إلا أن يحفظ شواهد هذا التمازج الإنساني القديم، ليذكرنا بأن أواصر القربى تسكن حتى في الحروف التي نتداولها دون تفكير في منبتها.
في وجداننا المشترك، لم يكن العرس يوماً مجرد اجتماع شخصين تحت سقف واحد، بل هو عهد كرم، وتوثيق لصلة الأرحام، واندماج عائلتين لتغدو أسرة واحدة متماسكة. وخروج الفتاة من بيت أبيها إلى عشها الجديد يظل دائماً تلك اللحظة الاستثنائية التي تلتقي فيها دموع الفراق ببهجة الرجاء، وتتداخل فيها مشاعر الحنين بخشوع الصلوات.
إن اختيار دولة الإمارات لتكون المحطة الأولى في منطقة الخليج لهذا المعرض، برعاية كريمة من السيدة الأولى أمينة أردوغان، لا يمثل محض مصادفة بروتوكولية، بل هو انعكاس طبيعي لأواصر المودة الصادقة بين صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وأخيه فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان، رئيس الجمهورية التركية، وثمرة للعلاقة الأخوية الوطيدة التي تجمع سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات» بالسيدة الأولى أمينة أردوغان.
وهكذا يتجاوز هذا المعرض أسوار منارة السعديات، ليعيد تذكيرنا بحقيقة كبرى: إن ما يجمع بلدينا ليس مجرد تفاهمات سياسية أو مصالح اقتصادية تحكمها موازين اليوم والغد، بل شريان حياة يمتد في عمق الوجدان والذاكرة. في ذلك «الصندوق الأناضولي»، كما في «المندوس الإماراتي»، تُحفظ قيم الأمانة، والأسرة، والوفاء، وهي ذاتها القيم التي ترتكز عليها اليوم جسورنا نحو المستقبل. نعم، قد تبعدنا الجغرافيا، لكن حين يُفتح الصندوق وتُبسط سجادة العرس، ندرك أننا نتحدث بلسان قلبٍ واحد، ونسير على درب أصالةٍ لا تنكسر.
 *سفير جمهورية تركيا لدى الدولة