نسرين درزي (أبوظبي) 

مجرد أن يقع لفظ «الخرّوفة» على مسامع من يثمنون حفظ الموروث الشعبي حتى تتراءى للعيان صور عن حياة الأسر الإماراتية المتماسكة، التي حرصت فيها الجدات والأمهات على غرس قيم الأصالة في الأطفال فأثمرت قطافاً يانعاً من مآثر العزة والصبر والكرم والوفاء. ونجحت من خلال المفردات المحلية والأداء الصوتي المشوّق، بجذبهم إليها جيلاً بعد جيل، حتى أن سطو الشاشات الرقمية لم يلغ عند الصغار لهفة التحلّق حول جلسات السرد باللهجة المحكية، التي ما زالت الأكثر دفئاً وطلباً قبل النوم.

تشويق 
تكريساً لدورها المهم في صون التراث المعنوي في المجتمع الإماراتي، وضمن برنامج «المندوس» الذي أطلقته دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي، ينظم متحف قصر العين ورشاً افتراضية حول «الخرّوفة» في الأدب الشعبي من حيث سماتها الملهمة وأثرها في نشر التوعية بالموروث الشفهي، وتعزيز استدامة ممارستها. وكان أحدثها «خرّوفة» من زمن الأولين عن ولد يتيم يسعى إلى إعالة أمه وإخوانه متجاوزاً كل مغريات الكسب الحرام. سردت أحداثها الوالدة كليثم حارب النعيمي المتطوعة في إحياء التراث الشعبي، ونقلت بأسلوبها المبسط أمام 5 بنات صغيرات مفاهيم قيّمة عن الرزق الحلال وكيف ينعكس إيجاباً على حياة من يتعامل مع الآخرين بحسن نية، تأكيداً على صفات الضمير الحي.

  • ورشة «الخرّوفة» التي نظمها افتراضياً متحف قصر العين (من المصدر)

وتمكنت بطابع التشويق والحماس من مزج الواقع بالخيال ليسهل فهم الرسائل واستخلاص العبر منها، تماماً كما جرت العادة سابقاً في رواية «الخراريف» التي يلامس بعضها أسلوب «الخرافة» على ألسنة الحيوانات، وتكون أشبه برسوم متحركة تعلق بذاكرة الصغار وتستفز فضولهم بانتظار استكمالها في اليوم التالي.

نبرة الصوت
عن الأسلوب الفطري الذكي الذي كانت تعتمده النسوة وكبيرات السن أثناء سرد «الخرّوفة»، تحدثت كليثم لـ «الاتحاد»، مشيرة إلى نبرة الصوت وحركة اليدين للفت انتباه الأطفال وتركيزهم، وكذلك استعراض الأدوات القديمة وتسميتها أمامهم عدة مرات. وقالت إن في ذلك دليلاً على توارث اللهجة المحلية بحسب البيئة، إذ إنه وبفضل الكثير من «الخراريف» المنقولة من الجدات إلى الأمهات والأحفاد، ظلت المفردات الأصيلة راسخة بين البيوت وإن اختلفت طريقة لفظها ما بين أهل الصحراء وأهل الساحل. وذكرت أنه من الضروري الحفاظ على العادات القديمة التي أسست فيما مضى لمجتمع يعتز بهويته ويفتخر بها، إذ بالرغم من التطور الذي شهدته البلاد في مختلف المجالات، إلا أن التمسك بالإرث أمر مطلوب. وليس أجمل من استعادة طريقة عيش الأولين من خلال السرد والوصف والحديث بلهجتهم، والإضاءة على أخلاقهم وطباعهم وطريقة تفكيرهم التي أوصلتنا مع الزمن إلى ما نحن عليه اليوم من تميز.

  • «السنع» مفاهيم تغرسها «الخرّوفة» في الأجيال (أرشيفية)

طقوس
لسرد «الخرّوفة» طقوس، منها البدء بنشيد من الأهازيج المتداولة ومنها: «خرفتك مخيريفة، تاليها مجيريفة، تحت السيم نبجة، تمشي وتمر جلة».

كان ياما كان
«الخرّوفة» الشعبية التي تبدأ بعبارة «كان يا ما كان في قديم الزمان»، ولا تستغرق أكثر من ربع ساعة، هي قصة قصيرة مسلية تهدف إلى إطلاع  صغار السن على خفايا كثيرة من الحياة تؤهلهم ليعتمدوا على أنفسهم في المستقبل ويكونوا قادرين على اتخاذ القرارات الصائبة. ومن تفاصيل هذا التقليد طرح الأسئلة خلال السرد لتحفيز الأطفال على التركيز في تسلسل المجريات التي تعتمد بالمبدأ على المفردات والأحداث أكثر من اعتمادها على الشخصيات بخلاف الحكايات التقليدية التي انتشرت مع تطور العصور. ومجمل تصويبها على «السنع» الإماراتي، وهو أسلوب حياة تتفاخر به القبائل العربية، مثل إكرام الضيف ونجدة المحتاج والتكافل والتعاون بين أفراد المجتمع الواحد. 

«بديح بديحوه»
من أشهر «الخراريف» الشعبية في المجتمع المحلي، «بديح بديحوه»، «أم الدويس»، «أم الهيلان»، «أبو رجل مسلوخة»، «أبو كيس»، «خطاف رفاي»، «الغولة» و«بابا درياه».