هناء الحمادي (أبوظبي)

الالتقاء بشخص عاصر زمنين من الأمور الجميلة، إذ تنتقل معه إلى زمن لم تعشه، وإن كنت ممن عشته ونسيت الكثير من صوره وأحداثه لطول المسافة الزمنية التي تبعدك عن ذلك الزمن، فإنه في حال الجلوس بين يدي أمثال هذه الشخصيات والاستماع إلى حديث ذكرياته تعيد شريط الذاكرة لتقف أمام بعض الصور والأحداث التي غابت عن ذاكرتك.
مريم الخوري من سكان أبوظبي عاشت وترعرعت في فريج «الرميثات»، وكان مكانه بالقرب من مستشفى الكورنيش وفندق شيراتون حالياً، وتسترجع مريم ذكرياتها قائلة: كان الفريج يتكون من بيوت العرشان أو الطينية متراصة ومتجاورة، وغالباً تصنع سقوفها من الطين، وهي مواد متوافرة في البيئة المحلية، وكانت تتناسب مع طبيعة المناخ في المنطقة، وتعمل على التكيف معها، وتنساب بين هذه البيوت سكك ضيقة تعرف باسم «سكيك»، وممرات كانت معظم الوقت تعج بحركة سكان الفريج، وضجيج الأطفال وهم يلعبون في ألفة وأمان، وينتقلون بين بيوت الحي بحرية، نظراً للعلاقات القوية التي كانت تجمع سكان الفريج، وكأنهم عائلة واحدة كبيرة

  • مريم الخوري (تصوير وليد أبو حمزة)

الجار للجار 
وعن علاقة الجيران والتواصل بين أهل الفريج أضافت: الماضي بكل تفاصيله لا يمكن أن يمحى من الذاكرة فالسكيك الضيقة والمباني القديمة والبيوت المتقاربة من بعضها بعضاً، جعلتنا نشعر آنذاك أننا عائلة واحدة نتألم إن مرض جار ونسعد إن فرح الجار الآخر.. وأجواء رمضان في الماضي ما أجملها.. روح الترابط والمحبة تجمع كل أهل الفريج، حيث نفرح بقدوم شهر رمضان المبارك، ونستعد له، ونستمتع بمشهد تبادل الأكلات بين الجيران، فكل الأطباق تنتقل من بيت لبيت، الجارة تعرف ماذا طبخت جارتها، ولا يحلو الفطور إلا بتجمع الجيران وتناول الطعام جماعة، وبعده يؤدي الجميع صلاة التراويح جماعة.

فرحة العيد
وعن الاستعدادات لفرحة العيد تذكر الخوري: الاستعداد يكون أكبر عند النساء،  حيث ارتداء أجمل المخاوير والذهب وتخضيب الحناء للبنات والزوجات على حد سواء، وفرحة العيد عند البنات تكون غير، فالعيد عند الصغيرات يعني رائحة الحناء وهي تزين كفوفهن.. وتستطرد: العيد في الفريج تميزه رائحة «البلاليط» وطعم الزعفران والهيل في الصباح، ورائحة البخور والعود، صوت طبل «المسحر» وهو يجول «الفرجان» بعد أن أدى واجبه في إيقاظ الصائمين كل ليلة من ليالي شهر رمضان، والأطفال يمشون معه فرحين مصفقين، وصوت الرجال وهم يدخلون المجالس في كل بيت أفواجاً، والقهوة العربية بالهيل، وأصوات الأطفال وهم ينتقلون من منزل إلى آخر، يتغنون بالأهازيج في صوت واحد «عيدكم مبارك»، فرحة الأطفال وهم يحصون نقودهم ويفرزونها بحسب قيمتها، ليذهبوا لأقرب «دكان» ويشتروا ألعاباً طالما حلموا بها، وأجلوا اقتناءها ليوم العيد، فالعيد ذاكرة «لمة»، وضحكة، وسعادة غامرة وصلة.

  • زهبة العروس (من المصدر)