لندن (الاتحاد)

الصحافة العالمية تواجه تحدياً خطيراً في مختلف المجتمعات، لا أحد يعرف كيف يمكن تخطيه، أو التعامل معه بحرفية. يكمن هذا التحدي في كيفية استقطاب الأجيال دون الخامسة والثلاثين من العمر، من أجل دفع مقابل مادي لاستهلاك التدفق الإعلامي الهائل الذي تبذل مختلف المؤسسات الإعلامية جهوداً خارقة لتقديمه عبر مختلف منصاتها التقليدية والتقنية. 
وفي بريطانيا يمثل الشباب بين الخامسة عشرة والرابعة والثلاثين نحو ثلث جمهور القراء، لكن قليلين جداً من هؤلاء الذي يدفعون مقابل الخدمات الإخبارية المتاحة في سوق الإعلام بالمملكة المتحدة. 
 وفي تقرير الأخبار الرقمية الذي أصدره مؤخراً معهد رويترز للصحافة، تبين أن متوسط عمر المشتركين في الخدمات الرقمية الإخبارية المدفوعة يتجاوز الـ 50 عاماً. 
وقال نيك نيومان من معهد رويترز: «إذا ما تطلع الناشرون إلى بيانات تقرير الأخبار الرقمية سيدركون حجم المشكلة الكبيرة التي يعاني الإعلام منها مع الجيل الشاب من الجمهور». 
وأضاف أن المشكلة مع هذه الشريحة من القراء والمشاهدين والمستهلكين للمواد الإعلامية عموماً لا تكمن فقط في كيفية استقطابهم، بل أيضاً في كيفية إقناعهم بإنفاق جزء من وقتهم أو أموالهم لمتابعة ما يتم تقديمه عبر وسائل الإعلام. 
المشكلة الحقيقية حسبما يقول محللون في موقع «برس جازيت» إن معظم المؤسسات الإخبارية في المملكة المتحدة تعاني تراجعاً في نسبة القراء من الجيل الشاب منذ 2019.. إذن الأزمة مزدوجة.. فالجمهور دون الخامس والثلاثين من العمر لا يحجم فقط عن الاشتراك، أو متابعة ما تقدمه المؤسسات الإخبارية، بل هو أيضاً ينسحب تدريجياً من قاعدة جمهورها. هذه الظاهرة تزعج كثيرين من القائمين على مختلف المؤسسات الإعلامية في بريطانيا.. وثمة إحساس بالعجز والفشل يسود الوسط الصحفي بشأن كيفية التعامل مع هذه الظاهرة الخطيرة، أو ما هي الحلول الأفضل لاستعادة واستقطاب هؤلاء القراء والمشاهدين الذين يمثلون في الحقيقة قوة ضاربة.. سواء تعلق الأمر بحصتهم من السوق، أو بقدراتهم الفاعلة في المجتمع وأيضاً في سوق العمل. 
 المفارقة الغريبة أن صحفاً كبيرة، مثل الجارديان والتليجراف والتايمز هي فقط التي نجحت في زيادة عدد المشتركين من الجيل الشاب، على الرغم من أن جمهور جريدتين مثل التيلجراف والتايمز هم أساساً من كبار السن.
والصحيفتان مازالتا تحققان نجاحاً واضحاً في بيع الأخبار لكبار السن والأغنياء ومع ذلك، فإنهما تطمحان بقوة للاستحواذ على نصيب أكبر من المشتركين في وقت لاحق من حياتهم.. ومع ذلك يمثل الجيل الشاب تحدياً وجودياً حقيقياً للصحافة، كما يقول نيومان من معهد رويترز.  ويضيف: «هذا الجيل الشاب دون الخامسة والثلاثين هم شديدو الاهتمام بالأخبار.. إنهم الذين يدفعون للحصول على خدمات إعلامية، وهم أيضاً الذين يدفعون للاستماع إلى البودكاست.. إنهم الجيل الجديد من المشتركين في المستقبل. لكن يتعين استقطاب الشريحة الكبرى منهم التي لا تبدي اهتماماً بالأخبار لانشغالها بوسائل التواصل الاجتماعي». 
جزء من المشكلة هو الانفصال بين ما يعتقد الناشرون أن الجمهور يريد معرفته، وبين ما يحتاج إليه الجيل الشاب، أو بالتحديد يتعلق الأمر بما هو اهتماماته الحقيقية. وتنشط في أوساط الجيل الجديد جماعات متباينة لها اهتمامات مختلفة وتتبنى قضايا متنوعة، بما قد يجعل من الصعب على الصحافة التقليدية ملاحقة أو تغطية هذه الاهتمامات المتباينة بما يرضي الشباب.
وبالطبع تؤمن الصحافة التقليدية بأنه يتعين عليها أن تقدم للجمهور ما يتعين عليه معرفته من أخبار وتطورات، لكن الجيل الشاب يبدو أنه يريد مزيداً من الترفية والتسلية والتغطيات الشيقة.
ويضع ذلك الإعلام التقليدي في تحدٍّ حقيقي، حتى إن سؤالاً وجودياً يتردد الآن بقوة في صالات التحرير هو: هل حقاً يتعين علينا أن نغير هويتنا وجلدنا من أجل استقطاب الجيل الشاب إلى قاعدتنا من القراء؟!