محمد نجيم (الرباط)

في ساحة الصفّارين بمدينة فاس القديمة، والتي يعود تأسيسها إلى القرن 13 الميلادي، تصل إلى مسامعك دقات خفيفة ومتناسقة كأنها عزف موسيقي من القرون الوسطى، تصدر عن مطارق الصنّاع التقليديين الذين يمتهنون بشغف حرفة النقش على النحاس. ويبدعون النقش على التحف برسومات جميلة وآيات من القرآن الكريم بالخط العربي. 
ويتأمل الزوار الحرفيين وهم ينقشون بعض المعالم الأثرية، بينها باب الفتوح، باب الخوخة، باب أبي الجنود، وباب المكينة، ويمكنهم طلب نقوش لمعالم أخرى، مثل صومعة حسان، جامع الكتبية وصهريج المنارة. وتنتشر في الموقع صناعة إطارات الصور البراقة، ووضع اللمسات على فوانيس نحاسية مزينة برموز مستوحاة من التراث المغربي بشقّيه العربي والأمازيغي.وتحتل المشغولات النحاسية مكانة خاصة لدى الأسرة المغربية، فهي تمثّل تراث البلد وثقافته، وقلّما يخلو بيت منها، لأنها تعكس التعلّق بالأصالة.

رموز متجذِّرة
وقال أمهال محمد، الذي يمتهن حرفة النقش على النحاس: إن المغاربة مُتعلقون جداً بالأواني النحاسية، ومنها أباريق إعداد الشاي الذي يُعد من رموز الكرم والضيافة، وكذلك اقتناء القلادات النحاسية. وذكر أن صنّاع النقش على النحاس في المغرب، تتلمذوا منذ عقود طويلة على أيادي حرفيين ماهرين توارثوا الحرف التي تحافظ على الرموز المتجذِّرة في التراث البصري المغربي، وصناعة الأواني النحاسية كالمغاسل والمباخر وبنادق الزينة، التي يُقبل الجميع على شرائها لتزيين بيوتهم، وكذلك الصحون النحاسية كبيرة الحجم التي تُستعمل في الأعراس والأعياد والمناسبات المختلفة.

أقلام ومطارق
وتحدَّث الصافي بنسعيد الباحث المهتم بالصناعات التقليدية، عن فن النقش على النحاس، مشيراً إلى أنه من أعرق الحرف التي أبدع فيها المغاربة ولطالما كان الطلب عليها مرتفعاً منذ زمن طويل قبل اكتشاف البلاستيك الملوِّث للبيئة. 
وذكر أن النحاس معدن محبوب لدى سائر الشعوب، لكن الأدوات المستوردة من الخارج أصبحت تنافس الأواني النحاسية باهظة الثمن، ولا سيما تلك المصنوعة من الألمنيوم والطين لأنها رخيصة.وأورد أن المنتجات المصنوعة من النحاس تتطلّب الكثير من الجهد والصبر، لأن عملية النقش تعتمد على يد الصانع ومهارة كبيرة لا يمتلكها إلا الحرفي الذي تجاوز عمره الـ 50 سنة، ويملك خبرة طويلة في ممارسة هذه المهنة الدقيقة التي تحتاج إلى أدوات شبيهة بالأقلام الفولاذية الحادة، ومطارق مختلفة الأشكال والأحجام.