أحمد مصطفى العملة

يتغيّر عالم النشر بسرعة وبقوة من دون أن تدرك المؤسسات الإعلامية التقليدية وتيرة وأبعاد المستجدات التي تعصف بسوق الصحافة والإعلام، بطريقة لم تحدث أبداً من قبل. وكلمة السر ومحور التغيرات المتلاحقة تكمن في منصات التواصل الاجتماعي التي تمنحها التكنولوجيا قدرة فائقة على مواصلة الثورة التقنية بإمكانياتها الخلاقة، بجسارة تامة تدفعها للانطلاق في تجارب جديدة واحدة تلو الأخرى دون خوف أو قلق من التداعيات، وبوعي كامل بالحدود اللانهائية لعالم ما بعد الصحافة.. لذلك هي التي تفتح الباب الآن على آفاق جديدة تقود بدورها إلى عوالم جديدة أخرى في عملية تطورية آخذة في الاطراد بسرعة متزايدة، دون أن يستطيع الإعلام التقليدي التقاط أنفاسه أو إدراك طبيعة ما يحدث على الضفة الأخرى.
في هذا السياق، نجحت منصات الإعلام الرقمي الكبرى في قلب المعادلة التقليدية بين الكتاب والصحفيين وأرباب العمل (المؤسسات الصحفية). 
منذ انطلقت الصحافة، كانت الكلمة العليا دوماً للناشرين فيما يخص العلاقة مع الصحفيين والكتاب. فالناشر - أياً ما كان فرداً أم مؤسسة - هو صاحب رأس المال ومن دونه ومن دون صحفه، لم يكن من الممكن للصحفيين الوصول إلى الجمهور أو كسب لقمة العيش.
الآن انقلبت الآية واختلت المعادلة وتبدلت الأحوال.. لم يعد الصحفيين بحاجة ماسة للمؤسسات الصحفية في صورتها التقليدية لصنع جمهور أو تحقيق عائد مادي.. الآن صاروا «صناع محتوى»، وتحولت المؤسسات الصحفية إلى ما يشبه المنصات.. يستطيع الصحفي أو الكاتب، خاصة لو كان من الوزن الثقيل أو صاحب قلم أو مصادر قوية أو متخصصاً في قطاع مهم وحساس له متابعون كثر، يستطيع هؤلاء أن يبيعوا إنتاجهم الصحفي، كله أو بعضه، بمقابل مادي من خلال منصات جديدة تتيح لهم إمكانية الوصول للمشتركين بسهولة عبر ما صار يعرف بالنشرات البريدية التي يتم إرسالها للمشتركين عبر البريد الإلكتروني.
هذه النشرات البريدية بالتحديد هو أحدث تحول في عالم النشر والصحافة يقدمه الإعلام الجديد.
وقد دخلت فيسبوك على الخط مؤخراً بإطلاق نشرتها Bulletin، لمنافسة منصات النشر المستقل مثل Substack وRevue التي استحوذت عليها تويتر مؤخراً. وتحصل كل من Substack وRevue على نسبة لا تتعدى 10 في المئة من عائدات الاشتراكات التي تذهب معظمها للكتاب والصحفيين.
xوتعاقدت فيسبوك مع 25 صحفياً محلياً في الولايات المتحدة مقابل خمسة ملايين دولار، وذلك لكتابة قصص إخبارية للنشرة الجديدة لعدة سنوات مقبلة.
 وأطلقت فيسبوك Bulletin في يونيو الماضي كخدمة إخبارية تعمل بشكل منفصل عن المنصة الأم، تقدم لجمهورها من المشتركين مقالات ومدونات صوتية، بعضها بمقابل مادي وبعضها الآخر مجاني. وتعد النشرة الرقمية الجديدة أحدث محاولة من فيسبوك الدخول بقوة في المنافسة الحامية الوطيس التي تتصاعد في سوق النشرات التي يتم إرسالها عبر الإيميل للمشتركين.
وكانت فيسبوك قد أعلنت في وقت سابق أنها تعاقدت مع 40 كاتباً للعمل مع Bulletin، قائلة إنها سوف تتعاقد مع مئة آخرين للعمل في النشرة بحلول الخريف، وبحسب وكالة رويترز فقد رفضت المتحدثة باسم فيسبوك الكشف عن عدد المشتركين في النشرة خلال الوقت الحالي. واختارت فيسبوك الصحفيين الجدد بطريقة انتقائية للغاية. فقد فضلت اختيار صحفيين يعملون في تغطية قضايا محددة بمناطق معينة.. مثل القضايا الخاصة بمجتمعات المهاجرين في أطلانطا، أو المناخ في نورث كارولينا، أو قطاع الأعمال الخاصة بالأميركيين من أصول لاتينية في فلوريدا.
وقالت المتحدثة باسم المنصة الإعلامية الشهيرة: إن كتاب النشرة البريدية الجديدة الذين يغطون عبر تقاريرهم الإخبارية أكثر من 12 ولاية أميركية، بينهم صحفيون سيبيعون المحتوى الذين يقدمونه عبر النشرة بمقابل مادي. وأضافت أن الصحفيين هؤلاء سيحتفظون بكل عائدات الاشتراكات التي سيتم تحصيلها. 
ومع إطلاق Bulletin في يونيو الماضي، قال مارك زوكربيرج الرئيس التنفيذي ومؤسس فيسبوك: إن الخدمة الجديدة تركز على تمكين الكتاب المستقلين، ومساعدتهم على الوصول إلى جمهور أكبر وتعزيز أعمالهم لتغطية مجموعة متنوعة من الموضوعات تشمل الرياضة والاستثمار والعلوم والطب.
كما قال زوكربيرج: إن خدمة Bulletin الجديدة تأتي كجزء من مهمة Facebook لمواصلة تطوير أدوات تحقيق الدخل لمنشئي المحتوى، مضيفاً أن: «الهدف هو دعم الملايين من الأشخاص الذين يقومون بأعمال إبداعية في نهاية المطاف».
وكان صحفيون وكتاب بارزون قد تركوا مؤسسات إعلامية كبرى في العام الماضي، واتجهوا إلى نشر أعمالهم على مواقع مثل سابستاك وميديم التي تتيح عبر منصاتها للآلاف من مبتكري المحتوى فرصة تقديم أعمالهم مقابل الحصول على رسوم من المشتركين.
وعلى درب فيسبوك، تمضي تويتر المنصة الشهيرة لمنح صانعي المحتوى الفرصة لبناء قواعدهم الجماهيرية وتحقيق مكاسب مالية عبر خدماتها الرقمية، حيث استحوذت قبل أشهر على منصة النشرات الإخبارية «ريفيو» وأعلن جاك دورسي الرئيس التنفيذي لشركة تويتر قبل أيام البدء في اختبارات تشغيلية، حيث يمكن للمستخدمين اختيار زر الاشتراك في نشرات ريفيو مباشرة من البروفايل.
وقد اختارت فيسبوك الصحفيين المحليين الجدد بالتعاون مع المركز الدولي للصحفيين والرابطة الوطنية للصحفيين اللاتينيين، بعدما تقدم كثيرون بطلبات التحاق للعمل في المنصة الجديدة. وسينضم الصحفيون لدورة تدريبية مكثفة من أجل تطوير مهاراتهم وإمكانياتهم 
ولدى فيسبوك تاريخ طويل من العلاقات المعقدة مع صناعة الأخبار. وتقول المنصة الرقمية الشهيرة إنها استثمرت مئات الملايين من الدولارات في القطاع خلال السنوات الأخيرة ومع ذلك، فهي تتعرض لانتقادات من جانب كثيرين يقولون إن تلك الاستثمارات لا يمكن أبداً أن تعوض خسائر الناشرين بسبب استحواذ شركات التكنولوجيا الرقمية العملاقة على نصيب الأسد من الإعلانات.
وقد تعهدت فيسبوك في فبراير الماضي بعد مواجهة مع الحكومة الأسترالية بشأن دفع مقابل مادي للمنافذ الإعلامية، باستثمار مليار دولار في صناعة الأخبار عالمياً، خلال السنوات الثلاث المقبلة بمقابل مادي.

خدمات نوعية أفضل 
الخدمة الجديدة Bulletin تسمح للكتاب بإنشاء النشرات البريدية، أو الرسائل الإخبارية المجانية، أو مقابل اشتراك مدفوع مع إمكانية إرسال النشرات البريدية الجديدة للمشتركين عبر البريد الإلكتروني، أو نشرها عبر الإنترنت أو فيسبوك. وتضمن النشرات البريدية، سواء التابعة لفيسبوك أو للمنافسين، وصول الأخبار للمهتمين بها في صندوق البريد الخاص بهم دون الحاجة للبحث عنها، وهي توفر للكتاب والمحترفين طرقاً للربح من المشتركين، بحيث يقدم الكتاب غالباً للمشتركين رسالة بريدية أسبوعياً مجاناً مع إمكانية الاشتراك شهرياً أو سنوياً للحصول على رسائل أو مقالات أكثر، وهي الرسائل والمقالات التي تتضمن غالباً تحليلات، أو تفسيراً وشرحاً للأخبار، أو تجميع الأخبار وربطها معاً.