إبراهيم الملا

كتاب مهم في مُتْنِهِ، مفاجئ بهوامشه وأدلته وشواهده، صادر مؤخراً عن هيئة الشارقة للآثار، للباحث الإماراتي عيسى يوسف، بعنوان:«العصر العباسي المبكّر في إمارة الشارقة – مكتشفات أثرية جديدة». يعبّر عن جهد بحثي كبير ودقيق ومتشعّب، فهو لا يكتفي بالسرد التاريخي وحده، ولا بالنتائج المترتبة على الاشتغال الذهني فقط، وإنما يقوم على بنية بحثية متكاملة ومعزّزة بشواهد العمل الميداني وبالصور التوثيقية الثمينة في مضمونها، واللافتة بلمساتها الزخرفية والأسلوبية المنتمية للذائقة الفنيّة، والمرجعية الإسلامية السائدة في العصر العباسي.
اعتمد «عيسى يوسف» على اللقى الخزفية والحجرية والأوزان التجارية والمسكوكات النقدية، التي عُثر عليها بمناطق مختلفة من إمارة الشارقة والتي عمل هو شخصياً على اكتشاف بعضها، وإماطة اللثام عن هويّتها الأصلية ومصادر صناعتها، إضافة للاكتشافات المحلية الأخرى في جزيرة «الحليلة» الواقعة على شواطئ رأس الخيمة، ومناطق محاذية لسلطنة عمان، للإشارة وبشكل حاسم إلى التواجد الفاعل لولاة الخلافة العباسية في مناطق متعددة بدولة الإمارات منذ نشأة هذه الخلافة على يد أبي جعفر المنصور المؤسس الحقيقي لدولة العبّاسيين، مروراً بهارون الرشيد، وعبدالله المهدي، وأبي موسى الأمين، وصولاً للخليفة السابع، أبي جعفر عبدالله المأمون، والذين وردت أسماؤهم وألقابهم على المسكوكات النقدية تحديداً.

اشتمل الكتاب على صور لمجموعات متنوعة تم العثور عليها أثناء المسوحات الخاصة بهيئة الشارقة للآثار، ولمجموعات أخرى تم العثور عليها من قبل بعض المواطنين، وتعود هذه المكتشفات إلى القرن (الثاني الهجري/ الثامن والتاسع الميلاديين)، وبصفة خاصة إلى العصر العباسي الأول، ووفقاً للإطار التاريخي للمسكوكات التي عثر عليها، فإنها ترجع إلى ما بين عامي 154/ 199 هجرية، أي أنها تمثّل النصف الثاني من القرن الهجري بصورة دقيقة.
ويسعى الكتاب إلى تصحيح المعلومات التاريخية المغلوطة حول المنطقة، حيث لم يرد في الدراسات السابقة أي إشارات عن تواجد الخلافة العباسية في المساحة الجغرافية الموزعة بين سواحل الإمارات المطلّة على الخليج، وسواحل سلطنة عمان المطلة على بحر العرب والمحيط الهندي، غير أن الأدلة والوثائق الواردة في الكتاب، تمنحنا حقيقة كاملة لا يمكن الشك فيها عن اهتمام الخلفاء العباسيين بمدن وسواحل الإمارات وعمان.
ويذكر يوسف في دراسته أنه إذا ربطنا بين ما تم اكتشافه في الشارقة من لقى أثرية، وبين ما عثر عليه من مسكوكات أخرى تؤرّخ لوجود العباسيين في المنطقة منذ وقت مبكر، خصوصاً عند المقارنة مع إحدى العملات النحاسية المحفوظة بجامعة «توبنغن» بألمانيا والمؤرّخة بسنة 144 هجرية، والتي تحمل اسم مكان السك، وهو منطقة «صحار» بسلطنة عمان، وكذلك اسم الأمير «روح بن حاتم المهلّبي»، فإن ذلك يشير إلى نجاح الخلافة العباسية منذ عصر أبي جعفر المنصور في بسط نفوذها في المنطقة، على أقل تقدير في سنة 144 هجرية، حيث أرسل العباسيون جيوشهم لإحكام سيطرتهم على هذه المنطقة، وتأمين طرقها التجارية، كما أن اسم الوالي «روح بن حاتم المهلّبي» المكلّف بشؤون سواحل الإمارات وعمان، هو اسم يعود نسبه إلى المهلّب بن أبي صفرة من قبيلة «الأزد» في عمان، وكان ولاة العباسيين في المنطقة يمثلون السلطة العليا للإدارة وحفظ الأمن والنظام، والإشراف على جباية الأموال، والنظر في القضايا والخلافات التي تظهر بين الناس، وقيادة الجيوش، فالوالي هو صاحب السلطة المخوّل من قبل الخليفة، وهو المرجع الأعلى في أمور الإدارة.

  • درهم من عصر الخليفة العباسي محمد الأمين باسم ولي عهده المأمون

وعن أهمية العملات المعدنية العباسية التي اكتشفت في مناطق الإمارات، وبزخم كبير في إمارة الشارقة ومناطقها الوسطى والشرقية، يشير الكتاب إلى أنها عملات لعبت دوراً حيوياً وبالغ الأهمية في التعبير عن مظاهر الحياة الاجتماعية باعتبارها الجهاز الإعلامي الحكومي في الدولة الإسلامية، فعن طريق الكتابات المنقوشة عليها تُبثّ الأخبار المهمة والعظيمة التي تشهدها البلاد، وكانت النقود تسك أيضاً في المناسبات المهمة مثل تأسيس الدول أو زوالها، أو اعتلاء الحكام للعرش، والمبايعة بولاية العهد، والحب والزواج والمصاهرة، وحالات المرض والوفاة، والانتصارات العسكرية، والمناسبات السيئة والاضطرابات التي تشهدها البلاد، وكذلك المناسبة الدينية والأعياد، وسك النقود التذكارية والأخرى الخاصة بالزكاة والصدقات، كما استخدمت النقود كوسيلة لنشر المبادئ الدينية والأخلاقية التي تهم الفرد والمجتمع، بما سُجّل عليها من كتابات ونقوش وصور، كانت تعبّر تعبيراً دقيقاً عن هذه الأحداث.
وأطلق على النقود التذكارية في العصر العباسي والتي تسك تخليداً لهذه المناسبات بـ «نقود الصلة» لأنها كانت توزع كهدايا وصلة لأولي الأرحام، واليتامى، كما كانت تقدم كهدايا لكبار القادة ورجالات الدولة. وهي نقود تختلف عن النقود المخصصة للتداول العام، من حيث الشكل والزخارف والوزن والقطر.

  • غلاف الكتاب

محطات تجارية
يؤكد لنا الكتاب أيضاً وجود تجمعات سكانية وافرة ومحطات تجارية نشطة في المنطقة أثناء التواجد العباسي منذ منتصف القرن الثاني الهجري، حيث تدلل أوزان النقود والمسكوكات والمجامر المصنوعة من الحجر الصابوني والأساليب الصناعية والفنية المنقوشة على الجرار والأواني الخزفية، أن الإمارات ومناطق عمان كانت مركزاً تجارياً كبيراً، وكانت بمثابة نقطة تجمّع للبضائع القادمة من أقاليم تابعة للدولة العباسية في تلك الفترة سواء في الشرق والغرب، أو الشمال والجنوب، حيث إن مصادر صناعة الخزف تشير لأساليب فنية خاصة بمناطق معينة في آسيا ومناطق في شبه الجزيرة العربية كما في الحجاز واليمن، أما أماكن السك فكانت مطبوعة على العملات المعدنية المختلفة المتداولة في فترة الخلافة العباسية، ومن هذه الأماكن: كورة المهدية في إقليم فارس، ومدينة سمرقند في إقليم ما وراء النهر والتي استخدمت معدن الشاش، ومدينة المحمديّة في إقليم الريّ والجبال، ومدينة بلخ في إقليم خراسان، والعباسية في إقليم المغرب، ومعدن باجنيس في إقليم أرمينية.
ضم كتاب (العصر العباسي المبكر في الشارقة) عدّة محاور وأقسام، تطرق الباحث في قسمه الأول للقى الخزفية المنتمية للعصر العباسي، ثم تطرّق للقى الحجرية، يليها الأوزان التجارية، وأخيراً المسكوكات العربية الإسلامية.

  • الباحث الآثاري عيسى يوسف

إعادة استقراء المنطقة
يدعو الباحث عيسى يوسف في الجزء الختامي من كتابه إلى وجوب إعادة النظر في تاريخ هذه المنطقة المهمة في ضوء المكتشفات الأثرية المتعلقة بالعصر العباسي، وإلى العمل بجدّ نحو البحث عن المزيد من اللقى الأثرية، القادرة على تفسير الكثير من الظواهر الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية، التي لا نرى لها أثراً في المصادر، حيث إن إعادة استقراء هذه المنطقة، يجب أن يعتمد بشكل كبير على نتائج الحفائر، وما يخرج منها من مسكوكات أو دلائل قديمة ذات معنى وقيمة، فهي مؤهلة لتقديم نتائج مختلفة عن ما تم تقديمه سابقاً من دراسات قديمة اكتفت بالجانب النظري.