لكبيرة التونسي (أبوظبي) 

تمثِّل البهارات قيمة اجتماعية كبيرة في مجتمع الإمارات، وتشكّل صناعتها نافذة على الموروث الثقافي، وارتبطت قديماً بالمرأة التي أوجدت خلطات خاصة لتطييب طعامها وإضفاء النكهات المميزة له. ولا تزال التوابل تحظى بالاهتمام نفسه عند كثير من النساء اللواتي يحرصن على إعدادها بالطريقة التقليدية. 

مقادير
صناعة البهارات أو«البزار» ثقافة تعكس مهارة المرأة الإماراتية وإبداعها منذ القدم، حيث كانت الجدات يستثمرن الطبيعة، ويجمعن أجزاء النباتات والثمار والجذور والبذور لاستعمالها في طهي الطعام، بعد تنظيفها وغسلها لمنح الأطعمة نكهات مختلفة.

ومع مرور الوقت باتت النساء يحصلن على التوابل الخام من الأسواق، ثم يعملن على خلطها وفق مقادير معينة للحصول على خلطة تناسبهن، بعد اختيارها وتنظيفها وغسلها وعرضها في الشمس، أو تحميصها على الحطب ودقها في «المنحاز» لتجهيز مساحيق زاهية الألوان ذات رائحة فواحة، لطالما كانت تعبق بها البيوت.

نكهات 
وذكرت عائشة الشامسي التي تعمل على صناعة أنواع كثيرة من البهارات منذ أكثر من 32 عاماً، أن كل سيدة تحتفظ بسر خلطتها التي تختلف من بيت لآخر. وأكدت أن استعمال هذه المكونات في الطعام، لم يختلف عنه في السابق، ولكن طريقة إعدادها اختلفت من حمس الحبوب أو الأوراق على الحطب ودقها في المنحاز الخشبي أو النحاسي بكميات قليلة تكفي ليوم أو يومين. ومن البهارات الأساسية، الكزبرة اليابسة والحلبة والكركم الطبيعي والقرفة والسنوت والهيل، والتي تمنح الأكلات الشعبية نكهة مميزة. ولفتت إلى أن البيت الإماراتي لا يخل و من البهارات المصنوعة يدوياً، ولاسيما في شهر رمضان المبارك.

أسرار
أشارت عائشة صاحبة علامة «الجدة الماهرة» إلى أن صناعة «البزار» حظيت باهتمام بالغ من طرف النساء اللواتي كن يتنافسن على إيجاد خلطة تميز طعامها. وأوضحت أن إعداد نوع جيد منه رهين بطريقة اختياره وخلطه وغسله وتجفيفه في الشمس أو على الحطب في أوان طينية، ودقه بالطريقة التقليدية في «المنحاز»، ما يضفي عليه نكهة خاصة جداً. وقالت، إن إعداد «البزار» المميز، يبدأ بشراء مكوناته التي تخضع لمقاييس تحددها كل امرأة، من الكمون والكزبرة والقرفة والفلفل الأسود والأبيض والزنجبيل والكركم وسواها. وذكرت أن البهارات تختلف من موسم لآخر، كما تختلف من طبق لآخر، ولاسيما تلك التي تضاف إلى الأسماك، مؤكدة أن توابل شهر رمضان كان يبدأ الإعداد لها في النصف من شعبان، حيث تُدق بطريقة تقليدية، وكانت النساء يتبادلنه كهدايا. 

خبرة
تمتلك عائشة الشامسي خبرة كبيرة في صناعة أنواع كثيرة من البهارات، تحرص على اختيار أجودها، وتعمل على تنظيفها وتجفيفها وخلطها بكميات مدروسة، ثم تطحنها بطريقة معينة لتحافظ على قوتها ونكهتها. وتلفت إلى أن صناعة التوابل المميزة تبدأ من اختيار المكونات، مؤكدة على أهمية توازن المذاق، حيث إن تغليب بعض الأنواع قد يؤدي إلى تغير الطعم.

وتوارثت هذه الصناعة وأضفت عليها من خبرتها الطويلة في هذا المجال، وتحرص على اقتناء المواد الخام بنفسها وبكميات كبيرة، لتجهيزها ودقها لاحقاً باستخدام «المنحاز»، الذي كانت له مكانة مميزة في البيت الإماراتي ولا سيما في الصباح الباكر.

مقايضة
«صناعة البهارات» ثقافة متأصِّلة في المجتمع الإماراتي، ترافقها طقوس عدة، وتنشط في المناسبات والمواسم، ففي فترة القيظ تكثر مقايضة التوابل بالأسماك. وكانت مدينة العين تشهد حركة كبيرة خلال فترة الصيف، إذ يأتي أهل أبوظبي بالأسماك، ويعودون محملين بأنواع من البهارات والحناء واللومي والفحم والتمر واللومي اليابس والحَب.

طحن فوري
كانت النساء قديماً يطحنّ كميات قليلة من «البزار» للاستخدام الفوري، وإضافته للطعام، أو الاحتفاظ به لمدة قصيرة حتى لا يتعرض للتلف، لتعذر حفظه لمدة طويلة. ورغم صعوبة الأمر، إلا أن النكهة تكون أقوى وأطيب، باعتبارها حديثة الصنع وطازجة، وتُجهز يدوياً عبر إضافة المقادير في «المنحاز». أما اليوم فعملية التجهيز والتنقية والطحن تكون بكميات كبيرة ويُحفظ «البزار» في الثلاجات المنزلية، ويُستخدم على مدار العام.