هناء الحمادي  (أبوظبي)

لا يزال صدى أغاني أجدادنا يسافر مع الأمواج، ومعه ضربات مجاذيفهم وهم يشقّون عباب البحر بحثاً عن صيد وفير. إذ لم يقف الأوّلون مكتوفي الأيدي أمام متطلبات الحياة وصعوبتها، حيث ابتكروا واجتهدوا في مواجهة التحديات التي اعترضت طريقهم. وأوجدوا بعزيمتهم بدائل أذهلت الأجيال عقبهم.
صناعة «المجاذيف»، أحد الشواهد على عزيمة الأجداد، حيث استطاعوا أن يبحروا فوق مياه البحر، مستخدمين «المجاذيف»، بالرغم من الإمكانيات البدائية التي كانت متاحة في حينه.

خبرة ومهارة
علي عبد الله الطواش، الذي يعمل في حرفة صناعة «المجاذيف»، اكتسب الخبرة من والده، وأتقن آلياتها وتفاصيلها، حيث كانت عيناه تراقب يدَي والده وهي تتحرك بإتقان.

وقال: البحر صديق أمين، حفظ العهد وبادل الإماراتيين كنوزه فكان لهم زاداً يثري حياتهم، حيث استعانوا بقواربهم متحدين الأمواج العاتية، بقِطع خشبية صنعوها بأيديهم لشق عباب البحار وخوض أخطاره. وقد واجهوا كل الصعوبات بتلك «المجاذيف» البسيطة في حجمها، العظيمة في تأثيرها ونتائجها، في وقت لم تكن ثمة محركات كهربائية ولا تقنيات تدفع الزوارق بشكل آلي.

أخشاب محلية
وذكر الطواش أن الإماراتيين صنعوا «المجاذيف» من أخشاب محلية، واستغلوها بخبراتهم وتجاربهم، مثل خشب «السمر» و«السدر» المتوافر بكثرة. كما استعانوا بأخشاب «الساي»، أو «الساج» المستوردة من الهند.

أوضح أن البحارة كانوا يطلقون على رأس «المجذاف» اسم «رأس الزبان»، أما طرفه الآخر الذي يكون في الماء فيُسمى «الغرافة». وفي نهاية المجذاف يُثبت البحار قطعة «الصف» العريضة بعد فتحها ثم تثبيتها.

أنواع وأطوال
وأشار علي الطواش إلى أن أنواع «المجاذيف» تعتمد على حجم القارب المستخدَمة فيه، وأن تجهيز «المجذاف» وتسويته يتبعهما تركيب خشبة «الصف» وربطها بحبال موزعة على أبعاد متساوية، موضحاً أن هذه العملية تُسمى «الجلف». وأضاف: يقع «الصوار» في منتصف «المجذاف»، وهو عبارة عن حبل مهمته التثبيت. وذكر أن ربط كل «مجذاف» يكون على أحد القائمين الخشبيين يمين المحمل ويساره، ويُطلق على القائم اسم «الزبان»، فيما يُطلق على الشخص الذي يقوم بعملية التجديف «الجرير». 

قيادة وتحكم  
«المجذاف» من أهم أجزاء المحامل الشراعية المختلفة، يساعد على القيادة والتحكم في المحمل والسير به في المياه القريبة والأسفار البعيدة بحثاً عن الأسماك واللؤلؤ.

المناطق الساحلية 
صناعة المجاذيف التراثية، تُعتبر جزءاً مهماً من إرث الأجداد، وواحدة من الحِرف التي كانت شائعة قديماً بين أهل المناطق الساحلية في الإمارات. وكانوا يعتمدون بشكل أساسي على البحر وما يجود به من خيرات في تصريف أمور حياتهم، وتدبير متطلباتهم من الغذاء وموارد الرزق المختلفة.