ساسي جبيل (تونس)

مدينة «كركوان» موقع أثري تونسي يقع في محافظة نابل جنوب شرقي العاصمة، يعود تأسيسه إلى العهد البوني في القرن السادس قبل الميلاد، سكنه الأمازيغ وهوجم مرتين من الرومان. وبحسب المؤرخين، تعاطت «كركوان» النشاط التجاري مع اليونانيين من جهة البحر ومع البونيقيين من جهة البرّ، وصدرت عنها منتجات صناعية مثل الجير، وضمت دكاكين وساحة صغيرة، وكانت بيوتها مجهَّزة بحمامات وأفران تشبه الموجود في يومنا هذا.

تحت الردم
وذكر محمد حسنين فنطر مؤرِّخ تونسي وباحث متخصِّص في التاريخ القرطاجي، ناقش أطروحة دكتوراه موضوعها «كركوان مدينة بونية بالوطن القبلي»، أن «كركوان» لم تكشف بعد عن كل خباياها وحقائقها التاريخية، على الرغم من تسجيلها في قائمة التراث الإنساني العالمي لـ «اليونسكو» منذ عام 1985، باعتبارها الأثر الوحيد للمدن البونية المتكاملة التي لم تبن على أنقاضها مدينة رومانية كما هو حال المواقع البونية الأخرى. وأورد أن أول حفرياتها انطلقت عام 1953، وما زالت بعض أجزائها تحت الردم. وأشار إلى أن الموقع الأثري يُعتبر مثالاً هندسياً وعمرانياً متفرداً، حيث الشوارع المستقيمة التي تتعامد وتصوّر رقعة شطرنج تتربع بين خطوطها المباني، مؤكداً أن البحوث الأثرية الحديثة كشفت حزاماً يسيّج المدينة وتتخلله بوابات وأبراج. أما البيوت، فكانت تتمحور حول فناء يضم غرف الاستحمام ومعبراً صغيراً يمثِّل حجرة الثياب وحوضاً فيه مقعد للمستحم، ما يثبت اهتمام السكان بنظافة الجسم.

ميناء
وتحدث الباحث الدكتور محمد الماجري عن وجود مظاهر عدة حول الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية والتجارية للمدينة وحياتها الروحية، من خلال قطع عُثر عليها خلال الحفريات وتعود للفترة البونية. ويكشف متحف الموقع آثاراً من بلدان متوسطية مثل اليونان كاللقى الزخرفية وأوان ومصابيح، ومستلزمات من مصر كأختام وتماثيل، ومجموعة مصابيح رومانية. وأوضح الماجري أن «كركوان» مدينة ساحلية جُهِّزت بميناء بقيت منه بعض الأجزاء، وتعاطت التجارة مع موانئ أخرى كانت تصدِّر منتجات زراعية وصناعية، مثل الأقمشة المصبوغة بالأرجوان.