توصل باحثون في الولايات المتحدة إلى منهجية جديدة قد تساعد في الكشف عن السرطانات المجهولة حتى قبل أن تظهر الأعراض على المريض.
تقوم المنهجية، التي طورها باحثون في معهد كوخ لأبحاث السرطان التكاملي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومستشفى ماساتشوستس العام، على التعلم العميق من خلال إلقاء نظرة فاحصة على برامج التعبير الجيني المتعلقة بالتطور المبكر للخلايا والتمايز.
يقول سليل جارج، الباحث في "معهد تشارلز وجينيفر سي جونسون لأبحاث السرطان"، والمحقق السريري في معهد كوخ وأخصائي علم الأمراض في مستشفى ماساتشوستس العام "في بعض الأحيان، يمكنك تطبيق جميع الأدوات التي يقدمها أخصائيو علم الأمراض، وتبقى بدون إجابة"، مضيفا "أداة الذكاء الاصطناعي مثل هذه قادرة على تحديد أنواع السرطان بدرجة عالية من الحساسية والدقة". 
جارج هو المؤلف الرئيسي للدراسة، الجديدة التي نشرت يوم 30 أغسطس الماضي في مجلة "Cancer Discovery".
من أجل اختيار العلاج المناسب لمرض السرطان، تتمثل الخطوة الأولى في تحديد نوع السرطان الذي يعاني منه المريض، بما في ذلك تحديد العضو أو الجزء من الجسم الذي بدأ منه المرض.
في بعض الحالات، لا يمكن تحديد أصل السرطان، حتى مع إجراء اختبارات مكثفة. على الرغم من أن هذه السرطانات المجهولة الأولية تميل إلى أن تكون عدوانية، يجب على أطباء الأورام معالجتها بعلاجات غير موجهة غالبًا ما تحتوي على سمية قاسية وتؤدي إلى معدلات نجاة منخفضة.
من هنا، تأتي أهمية التشخيص المبكر للمرض.
يعد تحليل الاختلافات في التعبير الجيني بين الأنواع المختلفة من الأورام غير المعروفة الأولية مشكلة يمكن للتعلم الآلي حلها. تبدو الخلايا السرطانية وتتصرف بشكل مختلف تمامًا عن الخلايا الطبيعية. يرجع ذلك جزئيًا إلى التعديلات الواسعة في كيفية التعبير عن جيناتها. بفضل التقدم في تحديد سمات الخلية الفردية والجهود المبذولة لفهرسة أنماط التعبير الخلوي المختلفة، باتت توجد بيانات وفيرة تحتوي على أدلة حول كيفية ظهور السرطانات المختلفة ومن أين نشأت.
قارن الباحثون بين أطلسين كبيرين للخلية، وحددوا الارتباطات بين الخلايا السرطانية والخلايا الجنينية: أطلس جينوم السرطان (The Cancer Genome Atlas, TCGA) الذي يحتوي على بيانات التعبير الجيني لـ 33 نوعاً من الأورام، وأطلس خلية تكوين أعضاء الفأر (the Mouse Organogenesis Cell Atlas, MOCA)، الذي يحدد 56 مساراً منفصلاً للخلايا الجنينية أثناء تطورها وتمايزها.
ثم حُولت خريطة الارتباط بين أنماط التعبير الجيني التطوري في الخلايا السرطانية والخلايا الجنينية إلى نموذج للتعلم الآلي. قسم الباحثون التعبير الجيني لعينات الورم من أطلس جينوم السرطان إلى مكونات فردية تتوافق مع نقطة زمنية محددة في مسار النمو، وخصصوا قيمة رياضية لكل من هذه المكونات. قام الباحثون، بعد ذلك، ببناء نموذج للتعلم الآلي، يسمى Developmental Multilayer Perceptron (D-MLP)، يشخص الورم انطلاقاً من مكوناته التنموية ثم يتنبأ بمصدره.
بعد التدريب، طُـبق نموذج التعلم الآلي D-MLP على 52 عينة جديدة من السرطانات الصعبة بشكل خاص من النوع الأولي غير المعروف الذي لا يمكن تشخيصه باستخدام الأدوات المتاحة. مثلت هذه الحالات الأكثر تحديًا في مستشفى ماساتشوستس العام على مدار أربع سنوات بدءًا من عام 2017. ومن المثير للاهتمام أن النموذج صنف الأورام إلى أربع فئات، وأسفر عن تنبؤات ومعلومات أخرى يمكن أن توجه التشخيص وعلاج المرضى.
على سبيل المثال، جاءت عينة واحدة من مريضة لها تاريخ من الإصابة بسرطان الثدي ظهرت عليها علامات الإصابة بسرطان عدواني حول البطن. لم يتمكن أطباء الأورام، في البداية، من العثور على كتلة الورم، ولم يتمكنوا من تصنيف الخلايا السرطانية باستخدام الأدوات التي كانت لديهم في ذلك الوقت. ومع ذلك، تنبأ النموذج الجديد D-MLP بسرطان المبيض لدى المرأة. بعد ستة أشهر من عرض المريضة على الأطباء لأول مرة، عُثر أخيرًا على كتلة في المبيض ثبت أنها أصل الورم.
في المستقبل، يخطط الباحثون لزيادة القدرة التنبؤية لنموذجهم من خلال دمج أنواع أخرى من البيانات، لا سيما المعلومات المستقاة من الأشعة والفحص المجهري وأنواع أخرى من تصوير الورم.
يؤكد جارج "يمثل التعبير الجيني التطوري شريحة صغيرة واحدة فقط من جميع العوامل التي يمكن استخدامها لتشخيص وعلاج السرطانات"، ويمضي قائلاً إن "دمج معلومات الأشعة وعلم الأمراض والتعبير الجيني معًا هو الخطوة الحقيقية التالية في طب السرطان".