سلطان الحجار (أبوظبي)
تعيش «آنا فوكس» وحدها في بيتها بمدينة نيويورك، غير قادرة على الخروج.. تمضي أيامها في مشاهدة الأفلام القديمة، واستعادة الذكريات السعيدة التي عاشتها٬ وأيضاً في التلصص على جيرانها، خاصة بعد أن تنتقل عائلة راسل إلى بيت في الجهة المقابلة من الشارع، فيما يبدو أنهم عائلة مثالية: أب وأم وابنهما المراهق، ولكن أثناء تلصص (آنا) عليهم من نافذتها تشاهد شيئاً غريباً٬ ليبدأ عالمها في التخبط، وتتعرى أسراره الصادمة.. ما الواقعي؟ وما المتخيَّل؟، ومَن في خطر؟، ومَن المسؤول؟.. تساؤلات تقفز على السطح لتزيد هذه القصة الجذابة المشوِّقة غموضاً..!
الرواية التي تعود للكاتب آ. ج. فين، تتناول مرض رهاب الخلاء، هو أحد أنواع التوتر والقلق، وعبارة عن خوف من حصول نوبات هلع، والمصابون بهذا المرض يتجنبون الأماكن العامة وغير المعروفة، وفي الحالات المتقدمة، يلزم المصابون منازلهم، باعتبارها المكان الوحيد الآمن، كما يعاني بعض الأشخاص اضطراب الوحدة أيضاً، حيث يجعل الشخص يتعرض لنوبات مفاجئة من الخوف الشديد الذي يصل لأقصاه في غضون بضع دقائق ويؤدي إلى ظهور أعراض ونوبات جسدية وعقلية شديدة.
هكذا تدور رواية «امرأة في النافذة»، حول امرأة خارج حياتها نافذة، إلى جانب نوافذ كثيرة أخرى تسكن روحها، رواية أشخاصها لاعبو سيرك على حبل الحياة الرفيع، وأحداثها مجهولة صادمة لكل توقُع أو ظن أو تمنٍّ، هي رواية النفس وخلجاتها، رواية المجتمع وتشوهاته في النفس، إنها بالمُجمل دائرة نفوس لا تتلاقى أبداً ولا تُفهم، وإنما فقط تفاجئ نفسها والآخرين، ضمن أحداث قوية التأثير، مكتوبة ببراعة، ذكية، راقية، مركبة، عن التشويق السيكولوجي الذي يذكرنا بـ«هتشكوك».
حتى اللحظة التي تسحبها نافذتها الحياة إلى الحياة ذاتها، حين تلتقط كاميرتها بغتة عملية طعن لامرأة في بيت نُزل جُدّد (بيت أليستر)، حيث قدم أفراد هذه العائلة حديثاً إلى جادتها، لتنتقل الحياة إلى بيتها وهي إلى الحياة من تأثير الصدمة، خارجةً إلى الشارع ناسية رهابها تائهة مُنتهية بها الصدمة في المشفى.
كأنَّها الحقيقة
هذه هي التفاصيل التي تأتي على ألسنة آنا، ايثان، جين، أليستر، ديفيد، ليتل، توريلي… ونعيشها كأنَّها الحقيقة دون شكّ.. فجأة، تأتي اللدغة المُفاجئة من الكاتب، وكأنك تبدأُ رواية ثانية في مُخيلتك لتلتقي مع ما حدث فعلاً وما كانَ فعلاً، إنَّها فيلمٌ على الورق يبدأُ من حيث ينتهي لتُعيد أنت التفاصيل منك إليك.
بعد هَول اللحظة الأولى من صدمة بطلة الرواية في جريمة القتل هذه، واستيقاظها منها لتجد نفسها في المشفى، وحين يجاوبُها المُحققون، يقنعونها مع صاحب النُزِل (أليستر) الذي حدثت في منزله عملية الطعن وابنه ايثان وجين زوجته، أنَّها تتوهم مُستَغِليِّنَ حقيقة مرضها ومواجهتها وصدمها بوفاة زوجها وابنتها، بعد أن أنكرت ذلك بأن أقنعت نفسها بأنها تُكَلِّمهم دائماً ويومياً وتستشيرهم في كُلِّ شيء، حين تسترجع ما فاتها وتقنع نفسها بما أقنعوها: «ألم أكن أقاوم الحقيقة طيلة الوقت؟ ألم ألوي الحقائق وأكسرها وأُزيحُها جانباً»، كما تقول بطلة الرواية في موضع آخر، «أنا لم أولد وحيدةً، لقد جُعِلتُ وحيدةً»..
ما تربطُ آنا بالعالم الخارجي فقط، هي زياراتُ طبيبها النفسي ومدربتها والنافذة (الحياة) بالنسبة إليها، من النافذة تتعرَّف يومياً أو حتى أنها تحفظ تفاصيل حياة جيرانها الدالة عليهم أرقام بيوتهم، سواء الراحلون منهم أو الجُدَّد، تتابع حركة الحياة عبر كاميرتها «حيث تجلس في غرفة مكتبتها مُتَخِذَة موقعاً بين النافذتين الجنوبية والغربية وتستعرض الحيَّ كُلَّه».. وحين تريد أن يبقى ما يدهشها من هذه التفاصيل تصوِّر وتختزِنُ الصوّر في ملفاتها على نافذتها الأخرى والتي تطل منها كإثبات هوية هذه المرة على أنها دكتورة نَفْس للأطفال من خلال شاشة حاسبها ومواقع التواصل مع مرضى وأُناس مثلها وحيدين تسمع الشكوى وتقترح الحلول، حيث تقول «أحسُّ بالدم يجري مبتهجاً في عروقي.. لقد ساعدتُ أحداً ما.. إنّني على صِلة بالعالم.. عليك فقط أن تكوني على صِلة بالعالم».
على شاشة سينما
رواية «امرأة في النافذة» (The Woman in the Window)، تحولت بنفس الاسم، إلى فيلم إثارة أميركي إنتاج 2021 من إخراج جو رايت، وبطولة إيمي آدمز، غاري أولدمان وجوليان مور، فريد هشينجر، جاري أولدمان، جينيفر جيسون لي، وايت راسل، إنتاج سكوت رودين وايلي بوش، وسيناريو تريسي ليتس الحائز جائزة «بوليتزر»، وهو ممثل جيد أيضاً حيث شارك في الفيلم بدور طبيب البطلة النفسي، وتم عرض الفيلم على منصة «نتفليكس» في 14 مايو 2021، وقصة الفيلم مشوقة، تدور حول جريمة قتل غامضة، وتتناول موضوعات مثيرة مثل التلصص، الرهاب، الأبناء الجانحين، الشعور بالذنب، والقتلة الدمويين..
تلعب آمي أدامز دور (آنا فوكس)، وهي معالجة نفسية للأطفال شبه معتزلة، تعاني رهاب الزحام، وتعيش بمفردها في شقة واسعة في حي هارلم في نيويورك، في بيت قديم، هوايتها الوحيدة التلصص على الجيران المقابلين، ومنهم عائلة ثرية مكونة من أب وأم وولد مراهق، تنتقل حديثاً للسكن في البيت المقابل، وتتسلى آنا بمراقبتهم، لكن أحداثاً غامضة تبدأ في الحدوث لدى الجيران تنتهي بجريمة قتل ترى تفاصيلها من نافذتها المقابلة لبيت هذه العائلة، وعندما تقوم بإبلاغ الشرطة، يقول لها الجميع إن كل ما تدعيه ليس سوى وهم وخيال، لدرجة أن المشاهد يصدق ما يحدث حتى قبل النهاية بلحظات.
أمراض نفسية
منذ اللحظة الأولى يحيلنا «امرأة في النافذة» إلى بعض روائع السينما العالمية التي يبدو تأثيرها واضحاً ليس فقط على الفيلم، ولكن على الرواية من قبله، ومن هذه الروائع «النافذة الخلفية» لـ(هيتشكوك)، الذي لعب بطولته جيمس ستيورات وجريس كيلي، و«الزقاق المظلم» الذي لعب بطولته همفري بوجارت ولورين باكال، و«لورا» الذي يعد من علامات النوع البوليسي المسمى بـ«الفيلم نوار»، ومن خلال هذه الإحالات، التي يصنع لها مبرراً درامياً هو كون البطلة تعشق مشاهدة الأفلام البوليسية، ليحدد الفيلم هويته وانتماءه ومسعاه ليصبح واحداً من هذه الروائع.
المشكلة أن «امرأة في النافذة» يضع أشياء كثيرة معاً، وكأنه موسوعة للأمراض النفسية وحبكات الأفلام البوليسية، وهو ما يثقل الحبكة ويشتت المشاهد ويجعله غير قادر على التماهي، أو التعاطف، مع الشخصية الرئيسة التي نرى الأحداث من خلالها، وهي الطبيبة النفسية المريضة هي نفسها، بسبب حادث تسببت فيه أدى إلى وفاة زوجها وابنتها، وأصبحت تعيش بعد هذا الحادث، وهي تتألم لاعتقادها بأنها مسؤولة عن وفاتهما، الأمر الذي يلقي بها في بئر الصراع النفسي القاتل، الذي جعلها تتخيل بأنهما على قيد الحياة، لدرجة أنها تتحدث معهم بخيالها وتأخذ برأيهما في بعض الأمور، لتواجه حالة من عدم الاتزان والغرق في الأوهام، ورغم أن مدة عرض الفيلم تقترب من 100 دقيقة، لكن هناك تفاصيل تبدو ناقصة، حتى الممثلون الكبار مثل جاري أولدمان وجوليان مور وجانيت جيسون لي، يظهرون كضيوف شرف في مشاهد قليلة للغاية، مما قد يدفع المشاهد للتساؤل عن سبب مشاركتهم في هذا الفيلم، مع ذلك، تضج الأحداث بالتشويق، وكل لحظة يوجد حدث مهم وحركة غير متوقعة في الحبكة، ومفاجآت كثيرة غير متوقعة، تجذب المشاهد بقوة إلى متابعة أحداثه الغارقة في الغموض..!
النهاية
في النهاية يتم اكتشاف الحقيقة، عندما تجد آنا فوكس الفتى في منزلها، تلك المرة يحاول التخلص منها لتفهم أنه ليس الفتى الطيب الذي حاول خداعها في السابق والحقيقة أنه يعيش مع أسرة راسل التي تبنته من أمه الحقيقية التي كانت مدمنة، وعانى من العنف الجسدي على يد أصدقائها، وكذب عندما أخبر فوكس أن أمه التي تبنته هي من قامت بقتل أمه الحقيقية لتمنعها من رؤية ابنها بل هو من قام بقتلها وقاموا هم بدفنها.
لكن فوكس تنجح في إنقاذ حياتها عندما تخبره أنها تعلم هوية أبيه الحقيقي من أمه قبل أن تُقتل وأنه أحبه حقاً ولم يتخلى عنه في الواقع، لقد مات وأصبحت أمه مدمنه لكنها أحبته أيضاً وفى اللحظة التي يستسلم فيها الفتى تقوم فوكس بدفعه من النافذة التي أراد دفعها منها في السابق، ليسقط قتيلا ولتعود من بعدها إلى مواجهة رهابها من الخروج من البيت وتعود لبيتها القديم.
اسم مستعار
دانيال مالوري، محرر ومؤلف أميركي يكتب تحت اسم مستعار هو «أ. ج. فين»، خريج جامعة أكسفورد وناقد سابق للكتب، ويعيش في مدينة نيويورك.. ظهرت روايته عام 2018 بعنوان «امرأة في النافذة» (The Woman in the Window)، وجاءت في المرتبة الأولى في قائمة نيويورك تايمز للروايات الأكثر مبيعاً، وقد كتب أ. ج. فين لصحف عديدة منها «لوس أنجلوس تايمز»، و«واشنطون بوست» وغيرها.
عاش في إنجلترا لسنوات عديدة ثم عاد إلى نيويورك، وحصدت روايته شهرة كبيرة وتُرجمت إلى لغات عدة، وصدرت عبر الناشر «نيويورك: ويليام مورو وشركاه»، وهو يعمل حالياً على روايته الثانية، البوليسية النفسية، والتي تقع أحداثها في سان فرانسيسكو.