لكبيرة التونسي (أبوظبي)

تحفل الأسواق القديمة في الإمارات بعبق التاريخ وحكاياته، ومنذ تشييدها لم يقتصر دورها على البيع والشراء، بل كانت منصة للتواصل ونسج العلاقات الاجتماعية وتداول الأخبار ومناقشة أمور «الفرجان»، ومنها «سوق القطارة» في مدينة العين، الذي شكل عصب المدينة وروحها، موفراً لأهلها السلع والمواد الغذائية المختلفة، ممثلاً روح المكان وذاكرته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية. ورغم تجديده، إلا أنه لا يزال يحمل عبق الماضي، ويحضر اليوم ليكمل المشهد العريق الذي انصهرت فيه مختلف الثقافات بخصوصية رسمها التاريخ ويلونها الحاضر بتفاعلاته الفريدة. 

بيذات مختلفة
«سوق القطارة» كان يلعب دوراً كبيراً في تبادل البضائع وبيعها وشرائها، وقام بأدوار أخرى لا تقل أهمية عن الدور التجاري، منها الدور الثقافي الناتج عن لقاء مختلف التجار من بيئات مختلفة، ما نسج ثقافة وعادات وتقاليد مشتركة بين مناطق الدولة، فكانت قصائد شعراء دبي يحفظها شعراء أبوظبي والعين، ليشكل جسر تواصل بين مختلف المناطق، ومنصة لتبادل القصص والأخبار. 
وقال عبدالله مطر الدرمكي الذي عايش عصر «سوق القطارة القديم»، إن هذا الفضاء، كان عبارة عن منصة تجارية وتعليمية واجتماعية وثقافية وإنسانية أيضاً، وكان يخدم منطقة «الجيمي» و«القطارة» ويشتمل على مواد غذائية في الأساس إلى جانب خياطة الملابس الرجالية، وكان تجاره ورواده من أهل المنطقة، حيث كانوا يجتمعون ويتقاسمون اللحظات الجميلة ويتداولون الأخبار ويناقشون أمورهم. 

مودة وثقة
وأشار الدرمكي إلى أن الحنين الدفين لـ«سوق القطارة»، يشكّل المعرفة الأولى لمعاصريه، الذين لا يزالون يرتادونه ويجدون فيه مبتغاهم وبهجتهم، وما زالت رائحته تسكن الذاكرة وتتغلغل فيها، وتخاطب حواس عشاقه. 
وأوضح أن جميع التجار كانوا من أهل المنطقة، تجمعهم المودة والجيرة الطيبة والثقة، وكان السوق يفرز نخبة من التجار الكبار من أهل المنطقة، والذين كانوا يوفرون السلع بالجملة، باعتبارهم من الميسورين من أصحاب سيارات النقل الكبيرة الذين يتعاملون مع تجار دبي، إذ كان كل تاجر صغير في السوق من أصحاب المحال يكتب ما يرغب فيه من سلع، ويزود تاجر الجملة بها ليأتي بها من دبي. 

علاقات مستدامة
ومع الجانب التجاري للسوق، كان يقوم بدور تفاعلي وإنساني واجتماعي، حيث كان عنواناً للعلاقات المستدامة، وكان يرد إليه سكان المنطقة لشراء المؤونة وكل ما يحتاجونه من مواد غذائية، وفيه يتعلم الأطفال والشباب السنع والمسؤولية، عندما يجالسون الرجال ويتعلمون منهم، حيث كان كل رجل في السوق مربياً لجميع أبناء الفرجان، كما كانت بعض الخلافات البسيطة يتم حلها في عين المكان، في ظل علاقات تتسم بالثقة والأمان، والاحترام للقرار الذي يتم التوصل إليه.

كتّاب 
تجاوز «سوق القطارة» قديماً غرضه التجاري، وتحوّل إلى منصة تعليمية أيضاً، حيث كان يتضمن «كتّابا» لتعلّم وحفظ القرآن، وقد تخرج فيه العديد من الطلاب، حيث قال الدرمكي إنه يذكر تلك الأيام التي كان يدرّس فيها «المطوع» بن بخيت الدرمكي، ويعلّم القرآن الكريم في «كتّاب» داخل السوق، يأتي إليه الطلبة من أعمار مختلفة من أهل فريج «المعترض». ولم تقتصر الاستفادة على أهل «الجيمي» و«القطارة» لتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب.

القيظ
نسج «سوق القطارة القديم» علاقات دائمة وأخرى طارئة، حيث كان يلعب دوراً أساسياً في تجميع أهل «المقيظ» القادمين من مختلف المناطق إلى مدينة العين لقضاء فترة الصيف، ولاسيما من دبي وأبوظبي لشراء المؤونة التي تساعدهم على قضاء أجمل الأوقات، إذ إن مدينة العين كانت تعتبر من «المقايظ» الأساسية في الدولة، حيث تنشط حركة السوق خلال فترة الصيف وبعده، حين يشتري الزوار ما يحتاجونه من سلع، وهم عائدون إلى ديارهم.

ذاكرة السوق
وبالحديث عن السوق القديم عادت الروائية سعيدة الواحدي بذاكرتها للوراء، معتبرة أن سوق القطارة في العين يُعد من أعرق الأسواق وأقدمها، ويتميز بقربه من قلعة القطارة التاريخية، لهذا سمي باسمها، موضحة أنه يمثل بالنسبة لها منصة ثقافية، فداخله تبلورت معرفتها بالأشياء حينما كانت تزور السوق مع والدتها، مؤكدة أن السوق كان يشبه السينما أو المسرح، ففيه كانت ترقب المشاهد التراثية إلى جانب التعرف على مختلف الثقافات والمذاقات، موضحة أن الأسواق قديماً كانت بسيطة، لكنها عميقة، لما تحتويه من بضائع مختلفة وبثمن مناسب، لذا شكل هذا السوق رؤية بصرية متميزة لا زالت حاضرة في الذاكرة إلى اليوم.

السوق حالياً
يضم «سوق القطارة» حالياً عدداً من المحال التي تتضمن الأعشاب والتوابل والعسل ومنتجات البقالة التقليدية والمنتجات الخشبية وأدوات المطبخ التراثية ومنتجات سعف النخيل، إضافة إلى أعمال السدو والغزل والحياكة والتلي، وبعض الأعمال اليدوية الأخرى ونماذج من الأقمشة النسائية والرجالية، وأدوات الصقارة والصقارين، كما يقدم العديد من الأنشطة التراثية والثقافية، لإضفاء أجواء من المتعة لاجتذاب السياح والسكان، للتعرف إلى ما يعرضه من مخزون ثقافي، كما يحتضن مختلف الحرف اليدوية والفنون التقليدية والمعروضات الشعبية، التي تعبّر عن التقاليد الإماراتية المختلفة.

صون التراث
يقع «سوق القطارة» ضمن أحد مواقع التراث العالمي لـ«اليونسكو» في العين، مدينة الواحات والقلب التراثي النابض لإمارة أبوظبي، ويعود تاريخه إلى منتصف القرن العشرين. أسّسه المغفور له الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، «طيّب الله ثراه»، في ثلاثينيات القرن الماضي وأعيد إحياؤه وترميمه وافتتاحه أمام الزوار عام 1976. ويلعب اليوم دوراً ثقافياً وسياحياً، بعدما ساهمت عملية الترميم في إعادة الحياة إليه، وأظهرت أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والتراثية.
ويقع السوق على طريق تتوزع على جانبيها أشجار النخيل، ويشهد إقامة سوق للحرف اليدوية التقليدية للمحافظة على التراث وصون الموروث للأجيال.

ثقافة وفنون
يرتبط السوق بقلعة القطارة التي أُعيد تطويرها لتضم حالياً مركز القطارة للفنون، وهو عبارة عن برج ومنزل تقليدي من الطوب الطيني يتربّع على تلّ مطل على حدائق النخيل في واحة القطارة التي شيّدت لحمايتها، ويعكس المركز الهندسة المعمارية المحلية التقليدية التي شهدت أعمال ترميم دقيقة. ويهدف إلى دراسة الفنون والثقافة وممارستها وتطويرها، كما يوفر المركز برامج ثقافية وفنية محلية تُعتبر مثالية للزوار من مختلف الأعمار.