لكبيرة التونسي (أبوظبي) 

تفننت المرأة الإماراتية في مختلف الصناعات التقليدية، أتقنت العديد منها، وبفعل ذكائها أوجدت الكثير من الأساليب لإعانة نفسها على الحياة، مع التركيز على الجانب الجمالي، مؤكدة ذوقها الراقي كعلامة مسجلة. خاطت ملابسها وزينتها وحافظت على أناقتها قبل ظهور الآلة، وبرهنت على قدرتها في توفير الخيوط والأدوات البسيطة، حتى جاءت الماكينة أو ما يُطلق عليه باللهجة المحلية «الكرخانة» التي سهلت حياتها، وزادت ملابسها فخامة، ووفرت عليها الجهد والوقت. 
تضاعف الإنتاج
كانت المرأة قبل عهد «الكرخانة» تبذل جهداً كبيراً في خياطة ملابسها وملابس أسرتها، وتستغرق وقتاً طويلاً في حياكة ما ترغب به، ما جعل كل فرد من أفراد العائلة يمتلك أزياءً تُعد على الأصابع في ظل غياب الخياطين. وخلال المناسبات والأعياد، كانت السيدات يتعاونّ فيما بينهن على حياكة فستان أو «كندورة» العيد، وخلال حفلات الزواج كانت نساء «الفريج» ينخرطن في خياطة ما يلزم العروس والعريس يدوياً وسط فرحة كبيرة، ويستغرق ذلك أياماً كثيرة. ومع دخول الآلة الساحرة التي امتلكتها في البداية الأسر الميسورة، تضاعف الإنتاج وبات أكثر جمالية، حتى أصبحت «الكرخانة» في كل منزل، واتخذها بعض النساء قديماً مهنةً. 

نقلة نوعية
عائشة السيد كامل من مركز الصناعات التابع للاتحاد النسائي العام، من الحرفيات الماهرات اللاتي امتلكن «الكرخانة» وسط فرحة عارمة، وما زلن يحافظن عليها كأداة لمهنة بكل تفاصيلها. وهي تشارك في المهرجانات والمعارض، وتنقل هذا الموروث للأجيال، مؤكدة أن «الكرخانة» حققت لها نقلة نوعية في حياتها عندما امتلكتها لأول مرة، موضحة أنها كانت سعيدة جداً بالحصول على ماكينة خياطة، والتي كانت في البداية تعمل على اليد، قبل أن تتطور لتصبح آلة كهربائية.
عادات وتقاليد
وسط فرحة عارمة، استقبل بعض نساء «الفريج» من الميسورات ماكينة الخياطة بعدما كنّ في الماضي يقضين وقتاً طويلاً في خياطة الأثواب، والتي شكلت جانباً من هوية أهل البيت من «النفانيف» وقطع أقمشة «الشربت» و«الكنادير» و«المقصر»، وهي من الملابس اليومية. ومع مرور الوقت والتطور، دخلت «الكرخانة» التي سهلت العمل. وحققت في مهنة الخياطة نقلة نوعية في التطريزات وجمالياتها، وكانت الماكينة تستخدم الإبرة لربط الأقمشة مع الخيط، وتوفر السرعة في الإنتاج، ما أدخل الراحة والسعادة على بيوت «الفريج». وهي بلا شك مكّنت العائلات من الحصول على ملابس أقل تكلفة وأكثر جمالاً في الحياكة، وساعدت أيضاً في الحصول على نتيجة جيدة، بحيث بدأت النسوة يتفنن ويبدعن في الخياطة والتطريز. 

«التنسيل»
وبالرجوع إلى فترة ما قبل «الكرخانة»، تشير عائشة السيد كمال إلى أنه مع مجيء الماكينة الساحرة، والتي تطورت مع دخول الكهرباء، كانت الخياطة باليد لإنتاج «كندورة» أو ثوب. أما الخيوط، فكان يتم توفيرها عبر «التنسيل»، وهي حرفة تتطلب الصبر والتأني، حيث تقوم المرأة بتوفير الخيوط الخام من «كندورة» قديمة أو من الشيلة «الوسمة»، إذ يتم جذب الخيط بطريقة تحافظ عليه طويلاً. ولم يكن يتوافر من الخيوط إلا اللونان الأبيض والأسود. 
مكان خاص
وبالحديث عن تلك الفترة، تذكر أن السيدات اللاتي كنّ يمتلكن «الكرخانة»، يحافظن عليها ويضعنها في زاوية معينة، ويعتنين بها بشكل لافت، وضمن طقوس معينة. وكنّ يمارسن الخياطة مع الاستماع إلى الراديو، ويضعن بجانبها صندوقاً خشبياً يضم خيوطاً مختلفة ألوانها. وامتلاك «الكرخانة» يعني الشعور بالبهجة والرضا، حيث تحضر نساء «الفريج» لمباركة «الماكينة» الجديدة.
أساس الإبداع
تقول عائشة: هذه الحرفة التراثية مارستها منذ أكثر من 42 عاماً، وهي شاهدة على حياة اجتماعية شكلت فيها المرأة محور البناء وأساس الإبداع، عندما كانت تنهي أعمال بيتها وتكفلها بأسرتها، لتبدأ في إبداع آخر لا يقل جهداً عما قامت به في النهار، من سدو وتلي وخوص وخياطة وغزل الصوف وصناعة العطور والبخور وسواها الكثير. وكانت النساء يجتمعن يومياً في بيت إحدى الجارات ويمارسن الحرف التراثية التي مازالت تدل على كفاحها وقوتها ومساندتها لزوجها، مستغلة ما جادت به الطبيعة آنذاك.