خولة علي (دبي)
على الرغم من انحسار الكثير من المهن والحرف التراثية، إلا أنها ما زالت حاضرة في المهرجانات التراثية والمناسبات الوطنية، لتؤكد على أهميتها ومكانتها وقيمتها المعنوية في الوقت الحالي. مهنة «الطواش» أو تاجر اللؤلؤ التي كانت سائدة ورائجة قديماً، نتيجة اعتماد الأهالي على الغوص بحثاً عن اللؤلؤ، نتيجة البيئة البحرية لتنتج أجود أنواع اللؤلؤ الطبيعي في العالم. 

على خطى الأجداد
ومع تغير الظروف الاقتصادية في المنطقة، ما زال لتجارة اللؤلؤ وصناعته رونقها وأهميتها وقيمتها، لتظل إرثاً تاريخياً وثقافياً يتوارثه الآباء عن الأجداد، وأحياه الأبناء الذين ترعرعوا وتشرّبوا أسرار هذه الصناعة وتجارتها، سائرين على خطى أجدادهم، ولكن بطريقة أقرب ما تكون للحفظ والبحث ونشر المعرفة.

وقد ارتبط مصطفى الفردان بهذه الصناعة التي ورثها عن أجداده، وكرّس وقته وجهده للتعرف على تفاصيلها، والإبحار في مكنونها منطلقاً من أسس وخبرات تاريخية متوارثة. واستطاع أن يعدّ دراسات مستفيضة حول مهنة الغوص وتجارة اللؤلؤ، واستطاع أيضاً أن ينقل علوم هذه الصناعة التي اشتهر بها أهل وتجار المنطقة. 

«الدسية»
يجلس مصطفى الفردان الباحث والتاجر الإماراتي في مجلسه ويفرش «الدسية»، وهي قطعة من القماش الأحمر تجمع أدوات تاجر اللؤلؤ، بما فيها من أوزان وطوس ومنظار لفحص اللؤلؤ، وسواها من الأدوات الذي اعتاد أن يرى جده يستخدمها في تشكيل اللؤلؤ وصناعة عقود منه. وتنتهز حفيدته الفرصة لتراقبه، وأحياناً كثيرة تعاونه وتشاركه في بعض الأعمال البسيطة التي تعلمتها، ليسير الفردان على خطى أجداده في نقل هذا الموروث، لما له من أهمية وقيمة تاريخية تروي مرحلة مهمة من حياة الأهالي قديماً. 

حرفة متوارثة
يستذكر الفردان مدى تأثير محيطه على نشأته، قائلاً: ترعرعت في كنف عائلة توارثت تجارة اللؤلؤ، وكنت حريصاً على مجالسة جدي إبراهيم الفردان الذي لقِّب بطبيب اللؤلؤ، من قبَل مَن تعاملوا معه في هذا المجال، لكونه يتميز بدقة وخبرة في معالجة الدانات.

وكانت لديه نظرة دقيقة بخصوص حبات اللؤلؤ التي تعلم الكثير عنها من والده حسن الفردان، وأصبحت لديه خبرة متوارثة في الكشف عن صنف اللؤلؤ ومعالجة مشاكله وآفاته، فعادة ما تتعرض حبات اللؤلؤ للضرر أثناء وجودها في المحار أو الصدف كحدوث خدش، أو يتغير لونها بسبب تكوّن طبقة عليها بسبب دخول آفة عليها في المحار.  ويقول: كنت أراقب والدي وهو يمارس عمله، وجعلني أتشبث بهذه المهنة وأتوغل في تفاصيلها وأتعمق في علومها، حتى أصبحت لدي خبرة واسعة في هذا المجال، وأحرص على صون هذا المورث والعمل على تطويره لمواكبة الفنون المعاصرة.

مجلس بحري
يحرص مصطفى الفردان على نشر هذا الموروث والتعريف به من خلال مشاركته في عدة معارض مجتمعية وثقافية، إلى جانب غرس أسرار هذه الحرفة في نفوس أبنائه وأحفاده لنقل هذا الموروث الذي يعكس مرحلة مهمة من تاريخ الدولة ونشأتها وتطورها، كي لا ينسلخ المرء عن ماضيه الذي هو حاضره ومستقبله. ويمتلك الفردان مجلساً يعبق بالتراث والحياة البحرية، يستقبل فيه رواد الثقافة والتراث والباحثين لتبادل العلوم والمعرفة.