خولة علي (دبي) 
مع تطور الحياة المعاصرة، انحسرت الكثير من المهن التقليدية، ومنها حرفة «القلافة»، بعدما استبدل الصيادون السفن التقليدية بالمراكب المتطورة، التي سهّلت عليهم أعمال الصيد والغوص. إلا أن مهنة «القلافة» التي تُطلق على صناعة السفن، وكل ما يتعلق بها من إصلاح وصيانة، لا يمكن أن تندثر وسط هذا الزخم من التطور. وهذا ما أكده الشاب عبد الرحمن سيف بالقيزي الذي تشبث بمهنة والده، وكرّس وقته وجهده ليواصل العمل في هذه المهنة المتوارثة أباً عن جد، بعد رحيل والده الذي ظل محافظاً عليها، ماضياً بحمايتها وصونها. 
عبد الرحمن يعمل في ورشته ساعات طويلة إلى جانب فريقه، لحرصه على إظهار المنتج وفق أدق أصول  الجودة، وحسب النهج الذي سار عليه الحرفيون الأوائل، في إشارة واضحة على إدراكه بأهمية التراث وقيمته ورغبته في الحفاظ على مبادئ وأسس هذه المهنة، كما عمل أجداده من الذين كانوا يبذلون جهوداً حتى يقدموا صناعة ذات جودة عالية.

مسؤولية
بالقيزي الحاصل على درجة الماجستير في القيادة وإدارة الموارد البشرية، ترك وظيفته بعدما تطلب الأمر توليه أمور شركة والده ليخوض غمار العمل التجاري. كما أن التحدي والطموح دائماً ما يدفعان بالقيزي ليشق طريقه وفق أسس دقيقة وثابتة وواضحة، ليحافظ على هذه المهنة واحدة من المهن التقليدية التي احترفها أهالي المنطقة قديماً، وشقوا بها البحار طلباً للرزق. 
ورغم تأييد بعض أفراد عائلته للخطوة التي اتخذها، إلا أن بعضهم لم يحبذها، خصوصاً مع قلة الطلب على السفن التقليدية في الوقت الحاضر، لكن بالقيزي يرى أن الحفاظ على هذه الصناعة مسؤولية وطنية. 

مهنة عريقة 
وأوضح بالقيزي أن «القلافة» من المهن التقليدية التي برع فيها أهل الساحل قديماً، لصناعة السفن بأنواعها وأحجامها المختلفة. فهي كانت وسيلتهم للرحلات البحرية التجارية بين الهند والسواحل الأفريقية، والغوص بحثاً عن اللؤلؤ وصيد الأسماك والنقل. وعادة ما ينقسم ممارسو هذه المهنة إلى نوعين، وهما «القلاف» المستقل بنفسه، والذي يعمل على تصليح الأمور البسيطة في السفينة، ومجموعة من «القلاليف» الذين يعملون كفريق على صناعة السفن. فالمهن التراثية بمختلف أنواعها تُعتبر ثقافة عريقة وأصالة محفوظة في طيات التاريخ لتتناقلها الأجيال، حتى غدت جزءاً من هويتهم وثقافتهم بصورة أكثر قوة وثباتاً. 
وأضاف أن «القلافة» تُعتبر من المهن الحرفية الشاقة، وتحتاج إلى قوة وصبر وهندسة دقيقة في تشكيل هيكل السفينة وربط أجزائها بطريقة محكمة، ومهمة بنائها تستغرق أشهراً، وفقاً لحجمها والغرض من استخدامها.

إرث وشغف
يقول عبد الرحمن بالقيزي: نحرص على المشاركة في المحافل التراثية والتاريخية والمتاحف، كما أن معرضنا الخاص مفتوح للزوار والمهتمين بمعرفة الطريقة التقليدية في صناعة السفن بمختلف مراحلها وأنواعها ومسمياتها واستخدامات كل نوع منها. وهي خطوة مهمة للتعريف بهذه المهنة وأصالتها وقيمتها وبراعة الحرفيين الأوائل في صناعتها. وكان الوالد «رحمه الله»، من المهتمين بهذه المهنة، وقد غرس فينا هذا الشغف، ونأمل أن ننقله إلى أبنائنا حتى تبقى هذه المهنة للأجيال.