لكبيرة التونسي (أبوظبي)
جلست الحفيدة فاخرة سلطان بجانب جدتها روضة عيسى المنصوري تراقب حركة «المغزل»، وهو يدور بسرعة ليبرم الصوف، ويجعل منه خيوطاً رفيعة. شغفها واضح في كلماتها، تحدثت بكل حب عن مهنة الجدات، مؤكدة أنها تعشق التراث، وتعلّمت الكثير من الحرف على يد جدتها التي تحول التاريخ إلى قصص محكية، وتروي لها تفاصيل الحرفة والعلاقات الاجتماعية التي كانت ترافقها، لتعيش في ذاكرتها.
روضة المنصوري، التي تشارك في مختلف المهرجانات والمعارض، تعلّمت مختلف الحرف منذ كان عمرها 10 سنوات، تشعر بأن الحفاظ على الحرف التراثية مسؤولية كل حرفي وحرفية، مؤكدة أنها لا تدخر جهداً في تعليم ونقل هذه الحرف إلى بناتها وحفيداتها وفتيات الجيل، ضمن ورش حية.
وتوضح أن حرفة «غزل الصوف» ارتبطت بتربية الغنم والماعز والإبل، حيث كان البدو يقومون بقص صوف الأغنام وغسله في ماء البحر وتنظيفه وتنشيفه وغزله.
وكانت تُصنع منه المفارش وعتاد الإبل و«بيت الشعر»، وكان منه لونان فقط، أسود وأبيض، وكان يستغرق العمل على صنع «بيت الشعر» أكثر من 5 أشهر، وكانت النساء تتعاون في غسل وغزل الصوف وتحضيره من أجل استخدامه في صناعة «بيوت الشعر» و«السدو»، وإنتاج مختلف الأدوات التي تحتاجها في حياتها اليومية.

قصص تُروى
وتذكر روضة المنصوري أنها تروي هذه الحرفة على شكل قصة، وترافقها حفيدتها فاخرة في مختلف المهرجانات، بعدما تعمل بدرجة كافية وأتقنت صنع ميداليات وأساور من خيوط الصوف التي تغزلها بمساعدة جدتها، وتنوي فاخرة التعمق في الحرفة وتطويرها ونقلها بدورها لبنات جيلها.

حرفية متمكنة
وعن البدايات، تقول المنصوري إنها كانت يتيمة، فتعلّمت من أخواتها وجاراتها مختلف الحرف، إلى أن أصبحت حرفية متمكنة في غزل الصوف، موضحة أن هذه الحرفة ساعدتها على مواجهة أعباء الحياة، وسدّت حاجتها من المفارش والخيام والأغطية. واليوم تشارك في المهرجانات للتعريف والترويج لهذا الموروث الذي ارتبط بعادات وتقاليد مجتمعية أصيلة، حيث كان يسود التعاون والتكافل من أجل الغزل، مع إضافة ألوان طبيعية عليه باستخدام الكركم والرمان. وتذكر أن اللونين الأساسيين في السابق، كانا الأبيض والأسود، موضحة أن المواد كانت البيئة المحلية وكانت الحياة بسيطة وجميلة يسودها الحب والترابط الاجتماعي.

تعاون وتكافل
عن طريقة استقبال الحرفيات قديماً للشهر الكريم، تقول روضة إن العمل في رمضان يكتسب طابعاً خاصاً، حيث التعاون والتكافل والترابط المجتمعي، فقد كنا نعمل منذ الصباح الباكر، ونجهّز كل ما نحتاج إليه من أدوات احتفاءً بالشهر الفضيل وعيد الفطر. وكان صوف الأغنام والماعز يدخل في صنع الكثير من المنتجات، كالمفارش والأغطية وجهاز العروس وجلسات البيوت، وسواها من الأدوات الأساسية في حياة أهل البادية، إضافة إلى «بيت الشَعر»، الذي كان يعتبر من البيوت الراقية الذي يمتلكه الميسورون من أهل البادية. وكانت جوانبه تتزين بالرسومات والنقوش الإبداعية، إضافة إلى صناعة «السفايف»، و«العدول» وهي أكياس كبيرة لحفظ الأرز.

استدامة
يندرج «غزل الصوف» ضمن الحرف التقليدية للعديد من الشعوب، ويُعتبر مصدراً مهماً للقيم الثقافية والمجتمعية. وقد أتقنت المرأة الإماراتية العديد من الحرف، واستغلت الموارد الطبيعية بكفاءة عالية لإنتاج الخيوط ضمن أجواء ممتعة. وروضة المنصوري من الحرفيات الماهرات التي سجلت حضوراً بارزاً بعملها في الحرف اليدوية إلى جانب مجموعة كبيرة من الحرفيات، اللواتي أسهمن في استدامة هذا الموروث، حيث ظهر دورهن في الكثير من الأعمال اليدوية، وفي مقدمتها حياكة الصوف.