تُعدّ السمنة وزيادة الوزن من المخاوف التي تشكل تهديدا للصحة في مختلف أنحاء العالم. وتُشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الوزن الزائد يرتبط بعدد من الأمراض، بما في ذلك أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري والسرطانات.
وإذا كان نمط الحياة الخامل الخالي من ممارسة نشاط رياضي يعتبر من العوامل المسؤولة عن زيادة الوزن، فإن الإفراط في تناول الطعام يتحمل هو الآخر وزرا في الموضوع. لكن أيهما يتحمل المسؤولية الأكبر في السمنة وزيادة الوزن: عدم ممارسة الرياضة أم الإفراط في تناول الطعام؟
ظل السؤال يحير العلماء إلى أن أشارت أبحاث جديدة، أُجريت على مجموعة واسعة من السكان، إلى أن الإفراط في تناول الطاقة، وليس قلة النشاط، هو السبب الرئيسي لزيادة الوزن.
تشير دراسة جديدة، نُشرت في مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة (PNAS)، إلى أن ارتفاع معدلات السمنة المرتبطة بالتنمية الاقتصادية يُرجَّح أن يكون ناجمًا عن اتباع نظام غذائي عالي السعرات الحرارية يحتوي على نسبة كبيرة من الأطعمة فائقة المعالجة.
وقال الدكتور توماس م. هولاند، وهو طبيب وعالم وأستاذ مساعد في كلية العلوم الصحية، شيكاغو، والذي لم يشارك في الدراسة، لموقع "ميديكال نيوز توداي": "تؤكد هذه الدراسة أنه على الرغم من أن ممارسة الرياضة لا تزال ضرورية للصحة العامة، إلا أن وباء السمنة المتنامي قد يكون مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بنوعية وكمية ما نأكله. والأهم من ذلك، أنها تكشف أن التنمية الاقتصادية تجلب معها فرصًا ومخاطر: تحسين الوصول إلى الغذاء، ولكن أيضًا زيادة التعرض للأنظمة الغذائية المسببة للسمنة".
السمنة بين النظام الغذائي والنشاط الرياضي
في دراستهم، التي شملت 4213 بالغًا، استخدم الباحثون مقياسين مختلفين للسمنة: مؤشر كتلة الجسم (BMI) ونسبة الدهون في الجسم، والتي تُشير إلى نسبة الدهون إلى إجمالي وزن الجسم. كان المشاركون من 34 مجموعة سكانية موزعة على ست قارات، وتنوعت أنماط حياتهم. شملت الصيادين وجامعي الثمار، والمزارعين، وسكانًا من مجتمعات صناعية.
كانت كتلة الجسم المطلقة، ونسبة الدهون في الجسم، ومؤشر كتلة الجسم أعلى، وكانت السمنة أكثر شيوعًا في المجتمعات الأكثر تقدمًا اقتصاديًا. ومع ذلك، كان إجمالي استهلاك الطاقة أعلى أيضًا في هذه المجتمعات.
شرح هولاند هذه النتائج، قائلاً "ظاهريًا، قد يتوقع المرء أن الأشخاص الذين يتبعون أنماط حياة أكثر تقليدية يستهلكون طاقة أكبر نتيجةً للعمل البدني. وبينما ينطبق هذا بشكل مطلق، إلا أنه بمجرد تعديل حجم الجسم، لم تكن الاختلافات في إنفاق الطاقة (وخاصةً إنفاق طاقة النشاط) واضحةً كما كان يُفترض".
وأضاف "الخلاصة الرئيسية، وهذا اعتبار بالغ الأهمية، هي أن السكان الصناعيين ليسوا بالضرورة أقل نشاطًا، بل غالبًا ما تكون أجسامهم أكبر حجمًا وتتطلب طاقة أكبر. ومع ذلك، فهم يستهلكون أيضًا سعرات حرارية أكثر، وخاصةً من الأطعمة عالية المعالجة والغنية بالطاقة. ويبدو أن هذا الخلل، أي ارتفاع كمية المدخول مقارنةً باحتياجات الطاقة، هو العامل الأكثر أهمية في ارتفاع مستويات السمنة".
اقرأ أيضا... 3 عادات تجعل أدوية إنقاص الوزن فعالة
الأطعمة المُصنّعة والإفراط في الاستهلاك
بعد مقارنة أنماط استهلاك الطاقة لدى فئات سكانية مُختلفة، خلص الباحثون إلى أن زيادة استهلاك الطاقة هي العامل الرئيسي الذي يربط زيادة الوزن والسمنة بالتنمية الاقتصادية.
ويُشيرون إلى أن الاختلافات في جودة وكمية الطعام قد تكون أساسية. فالأطعمة المُنتجة صناعيًا، الشائعة في الدول المتقدمة، قد تكون أسهل هضمًا، مما يُقلل من فقدان الطاقة ويزيد من نسبة السعرات الحرارية المُستهلكة التي يمتصها الجسم.
ويُسلّطون الضوء على دور الأطعمة فائقة المعالجة في زيادة السمنة. فهذه الأطعمة غنية بالطاقة، ومُصممة لتشجيع الإفراط في الاستهلاك. كما تزيد المعالجة من نسبة الطاقة المُستهلكة التي يُمكن للجسم امتصاصها.
في دراستهم، ارتبطت نسبة الأطعمة فائقة المعالجة في النظام الغذائي ارتباطًا إيجابيًا بنسبة الدهون في الجسم.
صرح هولاند بأنه "على الرغم من أن للنشاط البدني فوائد صحية لا يُمكن إنكارها، بما في ذلك الصحة العقلية والقلب والأوعية الدموية، إلا أن دوره في تنظيم الوزن قد يكون مُبالغًا فيه".
ويضيف "تشير الدراسة إلى أن الإفراط في تناول السعرات الحرارية، وخاصة من الأطعمة فائقة المعالجة، والتي صُممت لتكون لذيذة للغاية ويسهل الإفراط في تناولها عن طريق تقليل الشعور بالشبع، يرتبط ارتباطًا أقوى بنسبة دهون أعلى في الجسم ومؤشر كتلة الجسم مقارنة بانخفاض مستويات النشاط البدني".
التقليل من الأطعمة المصنعة لخسارة الوزن
تعليقًا على النتائج، أشار الدكتور مير علي، وهو جراح عام معتمد وجراح سمنة في كاليفورنيا، لم يشارك في الدراسة، إلى أنه "إذا كان الشخص يسعى لإنقاص وزنه، فالأمر يتعلق بما يأكله أكثر من مدى نشاطه. أشجع مرضاي على ممارسة الرياضة للحفاظ على العضلات والمساعدة في حرق السعرات الحرارية، لكنني أؤكد أنه إذا لم يتناولوا الأطعمة المناسبة، فلن يشهدوا خسارة كبيرة في الوزن".
وأشار هولاند إلى أن "هذه الدراسة، في نهاية المطاف، تُؤكد أن الصحة لا تقتصر على السعرات الحرارية الداخلة مقابل السعرات الحرارية الخارجة، بل تشمل أيضًا نوعية السعرات الحرارية التي نستهلكها"، مؤكدًا أن "ما نأكله قد يكون بنفس أهمية، إن لم يكن أكثر، من عدد السعرات الحرارية التي نتناولها أو نحرقها".
وأوضح هولاند أن "السياسات التي تدعم إنتاج الأغذية الصحية (مثل الفواكه والخضراوات والبقوليات)، وتقيّد تسويق الوجبات السريعة للأطفال، وتُحسّن من ملصقات الأغذية، يمكن أن تُسهم في توجيه الخيارات الصحية. كما أن الاستثمار في البنية التحتية، مثل الحدائق والشوارع المُلائمة للمشاة والمراكز المجتمعية، يمكن أن يُعزز النشاط البدني".
مصطفى أوفى (أبوظبي)
أيهما أهم لخسارة الوزن.. الغذاء أم الرياضة؟
المصدر: الاتحاد - أبوظبي