سعد عبد الراضي (أبوظبي)

شكّل افتتاح ثلاثة متاحف كبرى في أبوظبي محطة مفصلية في المشهد الثقافي الإماراتي، وأحد أبرز الأحداث الثقافية التي شهدتها الدولة في السنوات الأخيرة. متحف زايد الوطني، ومتحف التاريخ الطبيعي أبوظبي، ومتحف «تيم لاب فينومينا» أبوظبي، لم يأتِ افتتاحها متزامناً بمحض الصدفة، بل عَكَس رؤية ثقافية متكاملة تؤمن بأن المتحف اليوم لم يعد مجرد مساحة للعرض، بل فضاء حيّاً للمعرفة والتجربة والحوار الإنساني. ومن خلال هذه الثلاثية، تؤكد الإمارات أن الثقافة ركيزة أساسية في مشروعها الحضاري، وجسر يربط المحلي بالعالمي، والماضي بالمستقبل.

 

متحف زايد الوطني

يمثّل متحف زايد الوطني قلب الثلاثية الثقافية، بوصفه الحاضن لسيرة الوالد المؤسِّس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وللقيم التي قامت عليها دولة الإمارات. فالمتحف لا يروي تاريخ شخصية استثنائية فحسب، بل يقدم سرداً وطنياً متكاملاً لمسيرة بناء دولة آمنت بالإنسان، وبالانفتاح، وبالتوازن بين الأصالة والتحديث.
ومن خلال تقنيات عرض حديثة ومحتوى معرفي غني، يتحول المتحف إلى منصة تعليمية تفاعلية، تُعيد تقديم التاريخ بلغة معاصرة، قادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة، وترسيخ وعيها بالهوية الوطنية. ويؤكد المتحف، في جوهره، أن صون الذاكرة الوطنية ليس فعلاً توثيقياً فقط، بل مسؤولية ثقافية تستهدف بناء الحاضر واستشراف المستقبل.

التاريخ الطبيعي

يجسد متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي التزام الدولة بدعم المعرفة العلمية وتعزيز الوعي البيئي. يفتح المتحف أمام زوّاره نافذة واسعة على تاريخ الكون والحياة، مقدماً سرداً علمياً يمتد من نشأة الأرض إلى التنوع البيولوجي المعاصر.
ولا يقتصر دور المتحف على العرض العلمي، بل يتجاوز ذلك إلى بناء علاقة جديدة بين الإنسان والطبيعة، قائمة على الفهم والمسؤولية. فهو يخاطب العائلات والطلبة والباحثين بلغة مبسّطة وعميقة في آن، ويحوّل الاكتشاف العلمي إلى تجربة مشوقة، تعزّز الفضول المعرفي وتدعم التفكير النقدي. وبهذا المعنى، يضع المتحف أبوظبي في قلب الحراك العلمي العالمي، مؤكداً أن الاستثمار في العلم هو استثمار في مستقبل الإنسان.

تيم لاب فينومينا
متحف «تيم لاب فينومينا» أبوظبي، يمثّل الوجه الأكثر حداثة وابتكاراً في هذه الثلاثية، حيث يلتقي الفن بالتكنولوجيا في تجربة حسّية غامرة. يعتمد المتحف على أعمال فنية رقمية تفاعلية، تتغير بتفاعل الزائر معها، ليصبح جزءاً من العمل الفني نفسه. هذا النموذج الجديد للمتحف يعكس تحوّلاً عميقاً في مفهوم العرض الفني، من المشاهدة إلى المشاركة، ومن التلقّي إلى التجربة. ومن خلال استضافة هذا الصرح العالمي، تؤكد الإمارات دعمها للفنون المعاصرة والابتكار، وحرصها على استقطاب التجارب الفنية الرائدة، وتقديمها للجمهور المحلي ضمن سياق ثقافي منفتح ومتجدّد.

مشروع وطني 
لا تكمن أهمية افتتاح المتاحف الثلاثة في قيمتها المعمارية أو السياحية فقط، بل في الرسالة الثقافية التي تحملها مجتمعة. فهي تعكس رؤية إماراتية تؤمن بأن الثقافة مشروع وطني مستدام، يجمع بين صون الهوية، وتعزيز المعرفة، واحتضان الإبداع العالمي. وبهذه الثلاثية، ترسّخ أبوظبي مكانتها مركزاً ثقافياً عالمياً، قادراً على صناعة تجربة إنسانية تتجاوز الحدود، وتضع الإنسان في قلب المشهد الثقافي بكل أبعاده.