خولة علي (أبوظبي)

التنمّر المدرسي من الظواهر السلبية التي تؤثِّر بشكل مباشر على الصحة النفسية والاجتماعية للطلاب، وتترك آثاراً عميقة على ثقتهم بأنفسهم وأدائهم الدراسي. فما السبب وراء تصرّف بعض الطلبة بشكل عدواني تجاه زملائهم؟ وكيف يمكن للمدرسة والأسرة أن تتكاتفا للحد من هذه السلوكيات وحماية الطفل من آثارها الضارة؟ وما رأي الخبراء؟

الكشف المبكر 
توضح الاختصاصية الاجتماعية فاطمة الظنحاني، أن التنمّر في البيئة المدرسية، يؤدي إلى فقدان الثقة بالنفس والشعور بالخوف والعزلة، ويؤثِّر سلباً على التحصيل الدراسي والسلوك اليومي. وتشير إلى أن الكشف المبكر عن حالات التنمّر يمثّل خطوة أساسية في الحد من انتشاره، ويمكن تحقيق ذلك عبر مراقبة سلوك الطلبة داخل الفصول والساحات، وملاحظة أي تغير مفاجئ في تصرفاتهم أو مستواهم الدراسي، إلى جانب تفعيل صناديق أو منصات إلكترونية سرية تتيح للطلبة الإبلاغ عن الحالات من دون خوف أو تردد. 
وتقول الظنحاني: تلعب الهيئة التعليمية دوراً محورياً في غرس قيَم الاحترام والتسامح، ودمج قيَم التعاون والتقبل في الأنشطة الصفية واللامنهجية، والتدخل التربوي السريع لمعالجة أي سلوك عدواني بطريقة توعوية. وتشيد بالمبادرات التي تعزِّز بيئة مدرسية إيجابية خالية من العنف، مثل «مدرستي بيئة آمنة»، و«أصدقاء بلا تنمّر»، و«أسبوع مكافحة التنمّر» الذي يتضمن ورشاً توعوية ومسرحيات هادفة وأنشطة إعلامية لترسيخ ثقافة التسامح والتآخي بين الطلبة.

الأسباب والآثار
توضح الطبيبة النفسية نجاة الزبيدي، أن تبني بعض الطلبة لهذا السلوك يعود إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة، أبرزها ضعف الثقة بالنفس والرغبة في السيطرة أو لفت الانتباه، فضلاً عن الشعور بالإهمال أو نقص الدعم العاطفي في المنزل أو المدرسة، ما يدفعهم إلى التفريغ السلبي من خلال إيذاء الآخرين. 
وتقول: إن التنمّر يترك آثاراً نفسية عميقة على الطفل، فقد يعاني انخفاض تقدير الذات، والشعور بالخوف والعار، إضافة إلى القلق والاكتئاب واضطرابات النوم، ما يؤدي إلى العزلة الاجتماعية وضعف الأداء الدراسي. وتذكر أنه في بعض الحالات الخطيرة، قد تتطور هذه الآثار إلى أفكار إيذاء النفس أو الانسحاب الكامل من البيئة المدرسية.
وترى أن مساعدة الطلبة المتعرضين للتنمّر تتطلب الاستماع إليهم باهتمام ومن دون لوم، وإشراكهم في أنشطة جماعية تعزز الثقة بالنفس والانتماء، مثل الرياضة والمشاريع التعاونية، إلى جانب تقديم الدعم النفسي المتخصص عند الحاجة. وتؤكد على أهمية نشر ثقافة الاحترام والتعاطف في المدارس، وتشجيع الطلبة على مساندة بعضهم البعض لبناء بيئة مدرسية آمنة وصحية.

تأثير الأسرة 
تؤكد الدكتورة منيرة الرحماني، مستشار تطوير الذات، أن البيئة الأسرية هي النبع الأول، الذي يتعلّم منه الطفل كيف يتعامل مع الآخرين، وهي الحاضنة التي تشكِّل شخصيته وتغرس بداخله القيَم والسلوكيات. وتوضح أن الطفل لا يولد متنمِّراً، بل يكتسب هذا السلوك من النماذج التي يراها في أسرته أو محيطه. 
وترى أن دور الأسرة في مكافحة التنمّر محوري، إذ ينبغي أن تكون نموذجاً في الاحترام والتعاطف داخل البيت، فالطفل الذي يشعر بالأمان العاطفي لا يحتاج إلى إيذاء الآخرين لإثبات ذاته. ومن الضروري أن يتعلم الأبناء التعبير عن مشاعرهم بالكلمات لا بالعنف، وأن يفهموا أن الاختلاف لا يعني الإهانة. 
وتنصح الوالدين بمتابعة أبنائهما وملاحظة أي تغير في سلوكهم أو عزوفهم عن المدرسة، فذلك قد يكون مؤشراً على تعرضهم للتنمّر. وتلفت إلى أن بناء علاقة قائمة على الثقة والحوار، هو الأساس ليبوح الطفل بما يزعجه، مشددة على أن مكافحة التنمّر تبدأ من كلمة طيبة من داخل البيت، ومن قيمة الاحترام التي تزرع في القلب قبل العقل.

بين الأسرة والمدرسة 
أبدى عدد من أولياء الأمور قلقهم من التنمّر في المدارس، مؤكدين تأثيرها السلبي على الصحة النفسية والتحصيل الدراسي للأطفال. وأوضحت فاطمة عبدالله، ولية أمر، أن التنمّر يقلّل من ثقة الطفل بنفسه ويدفعه للانغلاق، مشددةً على أهمية متابعة الأبناء يومياً والاستماع إلى مشاعرهم وتجاربهم المدرسية للتدخل المبكر قبل تفاقم المشكلة.
وأكد حميد علي، والد طفلة في الصف الابتدائي الرابع، أن التنمّر مشكلة تؤثر على السلوك الاجتماعي والتحصيل الدراسي، داعياً إلى تعزيز التعاون بين المدرسة والأسرة من خلال برامج التوعية وورش العمل التي تعزز قيَم الاحترام وقبول الآخر، مؤكداً أن الوقاية تبدأ من المنزل والمدرسة معاً.