تامر عبد الحميد (أبوظبي)

في قلب «مهرجان الحصن» بأبوظبي، حيث يلتقي التاريخ الحيّ بروح الحاضر، يبرز «مجلس الشلّة» كأحد الفضاءات الثقافية التي تُعيد إحياء الفنون الأدائية الإماراتية في سياقها الأصيل، جامعاً بين ملامح الحياة التقليدية في الصحراء والشعر الشفهي ضمن تجربة تراثية تنبض بالحياة وتنقل الزوّار إلى عمق الموروث الشعبي.
تجارب متنوعة يستضيفها «مجلس الشلّة» ضمن «مهرجان الحصن»، المتواصلة فعالياته في العاصمة أبوظبي إلى 1 فبراير، من خلال 5 مؤدين يقدّمون يومياً مجموعة من عروض فنون الأداء التقليدية، منها: «التغرودة»، «الونّة»، «المنكوس»، و«الرَّدحة»، إلى جانب التجارب التفاعلية مع الإبل، في رحلة حيّة تحتفي بجذور الهوية الإماراتية.

بيئة صحراوية 
ويُعد «مجلس الشلّة» منصّة حيّة للفنون الشعرية التي نشأت في البيئة الصحراوية، واعتمدت على الكلمة المغنّاة والإيقاع الجماعي كوسيلة للتعبير عن المشاعر، وتوثيق التجارب اليومية، وتعزيز الروابط الاجتماعية داخل المجتمع. فمن خلال الأداء الشفهي المباشر، يستحضر أعضاء الفرقة أشكالاً فنية تتوارثها الأجيال، لا بوصفها عروضاً استعراضية فحسب، بل ممارسة ثقافية حيّة لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية.

إيقاعات
يقدّم أعضاء الفرقة في المجلس باقةً من الفنون الشعبية التي تتنوع في إيقاعاتها ودلالاتها، أبرزها «التغرودة» التي ارتبطت تاريخياً برحلات الصحراء والتنقل، و«الونّة» التي تحمل نبرة وجدانية تعبِّر عن الشوق والتأمل، إضافة إلى «المنكوس» المعروف بإيقاعه العميق وأدائه الصوتي المؤثّر. كما يقدّم المجلس فن «الرَّدحة» بما يحمله من تفاعل جماعي، و«الهمبل» الذي ارتبط ببيئة البحر والسفر.

فنون الأجداد 
وقال نهيان مبارك المنصوري من «هيئة أبوظبي للتراث»، وأحد أعضاء الفرقة: إن «مجلس الشلّة»، التابع لجناح الهيئة، يقدّم باقة متنوعة من الفنون التراثية والشعرية الإماراتية، وهو عبارة عن مساحة تفاعلية تتيح للزوّار الاقتراب من هذه الفنون والتعرّف على سياقاتها الثقافية والاجتماعية، من خلال الشرح والمشاركة المباشرة، ما يعزِّز حضورها لدى الأجيال، ويكرِّس قيمتها كجزء أصيل من الهوية الإماراتية.

اعتزاز 
وأعرب المنصوري عن اعتزازه وأعضاء الفريق بمشاركتهم السنوية في «مهرجان الحصن»، الذي يشكّل منصّة ثقافية بارزة تسلِّط الضوء على فنون الأداء التقليدية، وتتيح للزوّار التعرّف عليها عن قُرب ضمن ساحات المهرجان المختلفة، وضمن فعالية العرض الرئيس المستحدث في المهرجان «غرسةُ وطن».

وشدّد على أهمية الحفاظ على الفنون التقليدية وصونها، مؤكداً أن دولة الإمارات تولي هذا الجانب اهتماماً كبيراً من خلال إعادة إحياء هذه الفنون وتعريف الأجيال بثقافة الإمارات وفنونها الأصيلة، عبر المناسبات والمهرجانات التراثية. ولفت إلى أن هذه الفعاليات تُعد منصّة مثالية لفرق الفنون الشعبية لتعزيز الموروث، وضمان استمراريته بوصفه جزءاً من الهوية الوطنية، ونقله من جيل إلى آخر.

الموروث
يقدّم «مجلس الشلّة» الفنون المتوارثة كممارسات حيّة تقوم على التفاعل الصوتي والإيقاعي. ويأتي حضور المجلس ضمن «مهرجان الحصن» بهدف حرص القائمين في المهرجان على صون التراث غير المادي، وإبرازه بأسلوب معاصر يحافظ على أصالته، ويمنحه في الوقت نفسه مساحة للتفاعل والانفتاح. ويتحوّل المجلس إلى جسر ثقافي يصل الماضي بالحاضر، ويجعل من الفنون الشعبية لغة حيّة تتردد أصداؤها في فضاءات المهرجان، شاهدةً على غنى الموروث الإماراتي وتنوّعه.