أبوظبي (الاتحاد)

تلعب الأسرة دوراً محورياً في بناء شخصية الأبناء وتنمية حسِّ المسؤولية والاعتماد على النفس، يأتي بعدها الدور الذي تضطلع به المؤسسات التعليمية في صقل هذه القيَم وتعزيزها أكاديمياً وسلوكياً. ويجمع متخصِّصون وتربويون وأولياء أمور على أن البيئة المتوازنة، القائمة على التوجيه والدعم ومنح الثقة، تمثِّل أساساً مهمّاً لإعداد جيل قادر على تحمُّل مسؤولياته والتفاعل الإيجابي مع متطلبات التعليم والمجتمع. 

بيئة متوازنة  
توضح إيمان كردي، مشرفة أكاديمية، أن الأسرة تُعد النواة الأولى التي تتشكل فيها ملامح شخصية الأبناء، مؤكدة أن ما يغرسه الوالدان في سنوات الطفولة المبكرة من قيَم المسؤولية والانضباط والاعتماد على النفس، يرافق الأبناء في مختلف مراحلهم التعليمية، وصولاً إلى المرحلة الجامعية. وتشير إلى أن الطلبة الذين ينشؤون في بيئة أسرية متوازنة، تجمع بين الاحتواء والتوجيه ومنح الثقة، يظهرون قدرة أعلى على تنظيم الوقت، وتحمُّل أعباء الدراسة، والتعامل بوعي مع التحديات الأكاديمية.
وتضيف أن منح الأبناء مساحة لاتخاذ القرار يسهم في بناء شخصية ناضجة قادرة على التعلم من التجربة، لافتة إلى أن التدخل المستمر في شؤون الأبناء قد يحدّ من نمو حس المسؤولية لديهم. وترى أن الدور التربوي السليم يقوم على المساندة لا الوصاية، وعلى الحوار لا الفرض، ما يعزِّز لدى الأبناء الشعور بالثقة والانتماء.

تدرُّج المسؤوليات  
يرى علي الطنيجي، تربوي، أن دور الأسرة في تنمية حسّ المسؤولية لدى الأبناء أمر محوري، إذ إن بذور المسؤولية تبدأ منذ الطفولة المبكِّرة عبر إسناد مهام بسيطة تتناسب مع عمر الطفل، مثل ترتيب ألعابه أو الاهتمام بأغراضه الشخصية. ويشير إلى أن هذه المسؤوليات تتدرج مع التقدم في العمر لتشمل الالتزام الدراسي، واحترام الوقت، والمشاركة في شؤون الأسرة، بما يساعد الأبناء على فهم معنى المسؤولية وممارستها عملياً من دون ضغط. ويوضح أن تعزيز الاعتماد على النفس يتطلب من الأسرة التركيز على مهارات تربوية أساسية، أبرزها: تعليم اتخاذ القرار، وتنمية مهارة حل المشكلات، وبناء الثقة بالنفس، وتحمُّل نتائج الأفعال. ويقول الطنيجي: إن أسلوب التربية داخل الأسرة يؤثّر بشكل مباشر وعميق في بناء شخصية مستقلة وقادرة على اتخاذ القرار، كما أن التربية القائمة على الحوار والاحترام وإشراك الأبناء في النقاشات الأسرية تعزِّز الشعور بالقيمة والاستقلالية، بينما قد تؤدي الأساليب التسلطية أو المتساهلة جداً، إلى ضعف الشخصية أو التردد. ويذكر أن دور التربويين يتمثل في توجيه الأسر لتفادي الحماية الزائدة من خلال التوعية بأثرها السلبي، وتقديم نماذج عملية للموازنة بين الحماية والتوجيه، إضافة إلى تقديم إرشادات واضحة تساعد الأهل على منح الأبناء فرصة تحمُّل المسؤولية والتعلُّم من الأخطاء.

تجارب أسرية 
تقول شيخة النقبي، ولية أمر: نؤمن كأسرة بأن بناء شخصية الأبناء لا يتحقق بالكلام فقط، بل من خلال التفاصيل الصغيرة والممارسات اليومية، وبهذا الأسلوب يتعلّم الطفل معنى المسؤولية والثقة بالنفس. كما أن إشراك الأبناء في تحمُّل مسؤوليات تتناسب مع أعمارهم، يعزِّز شعورهم بقيمة ما يقومون به ويُبعدهم عن الاتكالية، مع الإيمان بأن الخطأ جزء من عملية التعلّم، وأن التوجيه الهادئ والدعم الإيجابي أكثر أثراً من اللوم والعقاب.
وتتابع: نحرص على تعزيز ثقة أبنائنا بأنفسهم من خلال التشجيع المستمر، والاستماع لآرائهم، واحترام شخصياتهم، ومنحهم مساحة للتعبير عن أنفسهم، مع توجيههم للاستفادة من خبرات الوالدين.

قيمة الالتزام 
ترى مريم أحمد، ولية أمر، أن بناء شخصية الأبناء يبدأ من وضوح القيَم داخل الأسرة قبل أي توجيه خارجي، مشيرة إلى أن الاتفاق بين الوالدين على أسلوب التربية ينعكس مباشرة على استقرار الأبناء النفسي والسلوكي. وتوضح أن منح الأبناء مسؤوليات واضحة داخل المنزل، مع متابعتهم من دون تدخل مفرط، يساعدهم على إدراك قيمة الالتزام واحترام الوقت. وتؤكد أن التواصل المستمر مع المدرسة يسهّل فهم احتياجات الأبناء الأكاديمية والسلوكية، ويسهم في معالجة التحديات، بما يعزِّز شعور الأبناء بالأمان والدعم، ويدفعهم إلى الاعتماد على أنفسهم بثقة. 

روح المبادرة 
تعرض زينة حسن، ولية أمر، تجربتها في غرس روح المبادرة والاعتماد على النفس لدى أبنائها، قائلة: أشجّع أبنائي على المشاركة في تنظيم الأنشطة العائلية الصغيرة، مثل التخطيط لرحلات قصيرة أو تجهيز وجبات منزلية جماعية، حيث يتولى كل واحد منهم مهمة محددة ويكون مسؤولاً عن إنجازها. وتوضح أن هذه التجارب العملية علّمتهم تحمُّل المسؤولية والتعاون مع الآخرين، كما ساعدتهم على اكتشاف قدراتهم ومهاراتهم الشخصية، بعيداً عن التوجيه المباشر أو الحماية الزائدة.