أبوظبي (الاتحاد)
حياكة الدمى التراثية جزء أصيل من حياة الأطفال في الماضي، إذ لم تكن مجرد وسيلة بسيطة للتسلية، بل نافذة تربوية واسعة يتعلم منها الصغار القيَم الاجتماعية والعادات الأصيلة المتوارَثة داخل المجتمع الإماراتي. و«دمى الجدات» المصنوعة من بقايا الأقمشة والخامات المتوفرة في البيوت، شكّلت مرآة صادقة للموروث الشعبي، ووسيلة لتنشئة جيل مرتبط بجذوره وقادر على فهم طبيعة الحياة البسيطة التي عاشتها الأمهات والجدات.
تواصل الباحثة مريم سعيد، ضمن «برزة للفعاليات التراثية»، جهودها في إحياء هذه الحِرفة القديمة وتعريف الأجيال بأهميتها الثقافية والتاريخية. وترى في صناعة الدمى وسيلة لحفظ الهوية المحلية وتوريثها، مؤكدة أن هذه الحِرفة جزء حيّ من الموروث الشعبي الذي يجب الحفاظ عليه. وتعمل مريم على نقل هذا الفن إلى الجيل الجديد ضمن رؤية تسعى لتعزيز وعي الأبناء بقيمة الحِرف اليدوية التقليدية والتحديات التي تواجه استمرارها في عصر التطور السريع.
رسائل تربوية
تذكر الوالدة مريم أن الأمهات قديماً، على الرغم من مسؤولياتهن ومشاغلهن اليومية، لم يتجاهلن دورهن في إسعاد أطفالهن وابتكار ألعاب بسيطة ومبهجة. وتقول: مع أن الدمى كانت تحاك من مواد متواضعة لا تتجاوز قطع القماش الزائدة وبعض الخيوط، فقد حملت رسائل تعليمية راسخة، إذ من خلالها تعلمت البنات مهارات الحياكة الأساسية، وتدرّبن على الصبر والتركيز والإبداع. كما عزّزت الدمى روح اللعب الجماعي الذي كان مساحة للتعبير عن الخيال وصياغة الحكايات، ما ساعد على تطوير مهارات التواصل والتعاون بين الأطفال. وبالرغم من بساطتها، ارتبطت بقيَم المشاركة، والحرص، والانتماء للبيئة الاجتماعية.
ورش تعليمية
وفي الورش التي تقدمها الوالدة مريم داخل المدارس والمهرجانات التراثية، يتجمع الأطفال حولها بشغف كبير لمعرفة تفاصيل هذه الحِرفة. وتلاحظ أن البنات يظهرن اندماجاً وحماساً لفهم مراحل صناعة الدمى، بدءاً من اختيار الأقمشة، إلى مرحلة القص والتشكيل، وحتى إضافة التفاصيل التي تمنح الدمية روحاً وهوية. وترى أن ورش صناعة الدمى منصة تعليمية ثرية تربط الأطفال بحِرف مارسها الأجداد، وتسهم في تدريبهم على مهارات الحياكة، وتمنحهم فرصة للتعبير عن أفكارهم عبر تطوير شكل الدمية وإضافة لمساتهم الخاصة، بحيث لا تخرج عن الطابع التراثي. وتحرص في ورشها على إدخال بعض الزينة التقليدية، مثل “التلي” وبعض الأكسسوارات التراثية التي تضفي مزيداً من الجمالية. وتشير إلى أنها تلاحظ سعادة الأطفال خلال العمل على الدمى، وفرحتهم عند الانتهاء منها، حيث يعبر الجميع بفخر، ما يعزز ثقتهم بأنفسهم ويحفزهم على الاستمرار في تعلم الحِرف التراثية.
دعم السياحة
ترى الوالدة مريم أن إشراك الأطفال في الورش، خطوة مهمة تربطهم بموروثهم الشعبي بطريقة عملية وممتعة. وتسهم صناعة الدمى التراثية في تعزيز الهوية وترسيخ الانتماء، ودعم السياحة المحلية، حيث يقبل الزوّار على شراء الدمى اليدوية بوصفها قطعاً فنية تحمل روح المكان وتعكس جماليات التراث.
وتقول: نسعى لنلعب دوراً فاعلاً في نقل الموروث، وربط الأجيال بماضيهم.