بين حبسة الكاتب وحسبة الوقت، صراع مستمر لا يتوقف عند حد الصبر والانتظار، ولكنه يتعدى ذلك إلى حالة من الهرج والمرج تموج في روح الكاتب وتعصف به في وقت لم يتوقعه، ولم يضعه في حساباته التي ارتهنت إليها حالته النفسية، كثيرة هي الظروف والمعطيات التي تجعل حامل القلم هاجراً لقلمه، متوارياً عن أوراقه، سائراً وحدهُ في طريق التيه التي يجهل كيفية العودة منها، أو الاستفادة منها بشكل يُثري ذاته، أو ينتشل روحه من وهدِ الملل الطاغي عليها.
عندما يتعطل الكاتب، وتجف لغته، وتضيع حروفه يصبح في حالةٍ يُرثى لها، فلا هو قادرٌ على ترجمة ما بداخله، ولا بيده فك اللغز المحيط بتلك الحالة، إنه ينزوي بعيداً وينطوي على ذاته، يهرب من حالة يعرف بأنه سيصلُ إليها يوماً ما، ولكنه عندما وقع في براثينها لم يستطع التحرر منها، إن ورطة الكاتب مع ذاك العجز لا تشبهها ورطة أخرى، هكذا هو حال واقعه في تلك اللحظة.
إن اللغة المشتركة بين المبدع وحالته الخاصة هي شأن شخصي لا يمكن لمن هو خارج النص أن يصل إلى عمقه، هو يُشبه ذاك السباح الذي توهم أن باستطاعته قطع الأميال البحرية من دون حاجة لأجهزة مساعدة، فإذا به يطفو في منتصف الطريق، إن الحالة الخاصة التي تشتعل في روح الكاتب أو الشاعر أو الفنان تُشبهه وحده، لذا يعجز الآخر عن مشاركته تلك الحالة، أو محاولة فهمها.
ليس من أمر أكثر صعوبة وأشق على صاحب القلم من حالة الصمت الإبداعي التي تعتريه بين فينة وأخرى فلا هو قادر على إصلاح شأنه الداخلي، ولا في استطاعته تخطّي ذاك الوضع ليمضي إلى طريق جديدة تخرجهُ من تلك المنطقة الضيقة التي أصبح رهيناً لها، وغير قادر على التعاطي معها، وليس بيده من أمر سوى الاستسلام، والدخول في معترك الانتظار حتى «يقضي الله أمراً كان مفعولاً».
يعتقد القارئ أن ما يتوفر لكاتبه المفضل من وقت ومن مزاج ومن لغة وبيئة محيطة لا تتوفر لغيره، وقد يُغبط القارئ الكاتب على تلك النّعم وعلى ما يتوفر لهُ من أدوات وإمكانات لكي يخرج بين عام وآخر، أو بين أشهر وأخرى بعمل جديد قد يُكتب له النجاح، وقد يتوقف عند بوابات منافذ البيع من دون أن يلتفت له أحد. لكن الأمر غير ذلك تماماً، إنه يتعلق بتلك العلاقة الشائكة بين حبسة الكاتب وحسبة الوقت التي تتحكم به.