لكبيرة التونسي (أبوظبي)
يعمل الحرفيون على صون الموروث الإماراتي الأصيل، ضمن مقاربة مبتكرة تُعيد اكتشاف المفردات التراثية بطريقة مختلفة، ويشاركون في المهرجانات الثقافية والتراثية للتعريف بالمهن القديمة، وبالصور المجتمعية التي رافقتها، ويستعرضون أدوات رافقت السكان قديماً، بهدف إثراء فضاء متنوِّع يشكِّل جذباً ثقافياً وسياحياً.
رمز للتعاون
«الرحى» من أهم الأدوات التراثية في الإمارات، واستُخدمت قديماً لطحن الحبوب كالقمح، والذرة، وتحويلها إلى دقيق لإعداد الخبز، والهريس، والخبيص. وهي تشكِّل رمزاً للتعاون، والصبر، والتقارب الاجتماعي بين نساء «الفريج». وكانت من بين أهم الأدوات في المطبخ الإماراتي التقليدي، والتي عادة ما تكون في إحدى زوايا البيت بعيداً عن غرف المعيشة، وأماكن راحة أفراد الأسرة.
قوة وصبر
عن «الرحى» وما رافقها من ممارسات اجتماعية، ذكرت شيخة النقبي، صاحبة مشروع تراثي، أن العمل على «الرحى» وطحن الحبوب، كان يتطلب القوة والصبر، حيث لا تستطيع سيدة واحدة تحريك «الرحى» الكبيرة بمفردها نظراً لثقلها، وعادة ما تتعاون على الأمر سيدتان. وأشارت إلى أن المرأة الإماراتية قديماً كانت تجمعها علاقة قوية بهذه الأداة، لا سيما أنها تقضي وقتاً طويلاً في طحن الحبوب لتوفير قوت بيتها، ما يجعل الجدّات أثناء طحن الحبوب، يتبادلن الحكايات والقصص الشعبية، ويتبارَين في الشِعر والألغاز والأمثال. كما يحرصن على مشاركة الفتيات الصغيرات لتعليمهن مهارات استخدام «الرحى».
طاقة متجددة
أوضحت شيخة النقبي، أنه كان يخصَّص مكان في «الفريج» يُعرف بـ «بيت الرحى»، توضع فيه آلة الطحن ليستفيد منها الأهالي، وهو عبارة عن مساحة صغيرة تُفرش بحصير من سعف النخيل، تعلوها مظلة من العريش تقي من حرارة الشمس، ضمن أجواء يغلب عليها طابع التعاون والانسجام.
وأشارت إلى أن رحلة المرأة اليومية كانت مُتعبة، لكنها مشبعة بروح المشاركة، تحمل سلة الخوص المملوءة بالحبوب على رأسها وقت الضحى، وتتجه إلى «بيت الرحى» لتنضم إلى بقية نساء «الفريج». وعلى إيقاع دوران الحجر، تنطلق الأهازيج الشعبية، فتبعث في النفس طاقة متجددة تخفِّف وطأة التعب وتكسر رتابة الوقت، لاسيما حين تطول ساعات العمل أو تجد المرأة نفسها وحيدة بعد انصراف الجميع إلى بيوتهن.
روابط اجتماعية
ذكرت شيخة النقبي، أنه وعلى الرغم من مشقَّة الطحن وما يتطلبه من قوة وصبر، نشأت علاقة خاصة بين المرأة و«الرحى»، امتزجت فيها المسؤولية بالألفة، وكانت «الرحى» حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، ترافق النساء في أوقات العمل، وتمنحهن مساحة للقاء وتبادل الخبرات، في زمن اتسم ببساطته وعمق روابطه الاجتماعية.
قِيَم الألفة
شرحت شيخة النقبي، أن «بيت الرحى» كان أكثر من مجرد مكان لإعداد الدقيق، بل مساحة تنبض بالحياة، حيث تتقاسم نساء «الفريج» الأدوار والمسؤوليات، وتتعزَّز فيه قيَم الألفة والمساندة. وفي ظل الحياة البسيطة، صنعت تلك الاجتماعات اليومية ذاكرة راسخة، لا تزال تفاصيلها شاهدة على عمق الترابط وصدق العلاقات في مجتمع الأمس.