لكبيرة التونسي (أبوظبي)

كثيرة هي الحِرف التي مارستها الجدّات قديماً، وأوجدت من خلالها بعض احتياجاتهن من الأزياء وأدوات التجميل، وغيرها من المواد التي أعانتهن على الحياة، استثمرن في ما تجود به الطبيعة وحوّلنه إلى مواد تساعدهن على العيش والتعافي والتألق. واليوم ومع تطوّر العِلم، ما زالت الجدات والأمهات يمارسن هذه المهن، ويحافظن عليها وينقلنها إلى الحفيدات، ضمن رؤية عامة لاستدامة هذا الإرث، والحفاظ عليه للأجيال. ومن هذه المهن، «صناعة الكحل العربي» الذي أُدرج رسمياً على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لمنظمة «اليونسكو».

الذاكرة الجمعية 
تقول شمسة المنصوري، من «ليوان الحِرفيين»، إن «الكحل العربي» كموروث شعبي ارتبط بجمال المرأة والذاكرة الجمعية لأهل الإمارات، وهي تحرص على نقل هذه الحِرفة إلى الشابّات لضمان استدامتها في المجتمع، والتعريف بالصور المجتمعية التي رافقتها. وعلى الرغم من التطور الكبير الذي تشهده أدوات التجميل، إلا أن «الكحل العربي» الذي يُصنع منزلياً، وتوارثت صنعه الجدات، لا يزال حاضراً في المهرجانات التراثية، وتُقبل عليه الشابّات، لما له من مزايا تجميلية وصحية. وذكرت أنه عبارة عن «إثمد»، وهو حجر طبيعي صحي، كان يُستخدم للزينة ودواءً للعين. 

«الإثمد» 
عن طريقة صناعة «الكحل العربي»، أشارت المنصوري، إلى أنها تعتمد الطريقة القديمة كما تعلّمتها. تأخذ «الإثمد»، وهو حجر أسود، وتقوم بتكسيره إلى قطع صغيرة، وغسله بماء زمزم وتنشيفه، ثم تقوم بدقه في «هاون» خشبي أو نحاسي، ليتحوّل إلى مسحوق، يُنخل باستعمال قماش أكثر من مرة للحصول على كحل ناعم، يكون جاهزاً للاستعمال من دون أي إضافات كيميائية. وتقوم بتعبئته في عبوة زجاجية أو مِكحلة مصنوعة من الفضة، بينما يكون المِرود مصنوعاً من الفضة أو العاج، باعتبار أن هذه المواد صديقة للبيئة ولا تُفسد طبيعة الكحل، لا سيما أنه كان ومازال يُستعمل كمادة صحية تعالج حرقة العين واحمرارها. وأوردت المنصوري أن «الكحل العربي» كان يُصنع أيضاً من نواة التمر، والتي كانت تُغسل وتحمَّص وتُطحن، ثم تصفّى لتصبح جاهزة للاستخدام.

حفظ الموروث 
وأوضحت المنصوري، التي تمارس هذه المهنة منذ فترة طويلة، أنها تعمل على نقل هذه الحِرفة ونقل خبراتها في «الكحل العربي»، ضمن ورش عمل خلال مشاركتها في فعاليات تراثية، منها «مهرجان الحصن».
 وأكدت أن المهرجانات توفِّر لها فرصة كبيرة للتعريف بهذا الإرث الأصيل وتعريف الأجيال بقدرة المرأة على الإبداع والاستثمار في خيرات الطبيعة، مشيرة إلى أنها شغوفة بالحِرف التراثية والقصص الاجتماعية القديمة التي رافقت رحلتها.

كحل الأطفال
ذكرت شمسة المنصوري أن عادة وضع «الكحل العربي» بعيون الرُضّع عند ولادتهم، من العادات القديمة المتوارَثة، حيث يحرص الأهالي على تكحيل عيون أطفالهم فور ولادتهم لغايات صحية، مشيرةً إلى أن كحل الأطفال يُصنع من كبد الحوت وزبدة البقر، ويُستعمل علاجاً لحكة العين وزينة لتكبيرها. وأوضحت أن استعمال الكحل لم يقتصر على النساء، بل استعمله الرجال أيضاً، حيث يعالج رمد العين والصداع.