لكبيرة التونسي (أبوظبي)
يرتبط الإنسان الإماراتي بـ«النخلة» ارتباطاً وجدانياً، فهي الشجرة المباركة والشجرة الأم، التي عرفها على مر الأزمنة، ووفرت له الغذاء والدواء والمسكن والأثاث والأدوات، ولطالما شكّلت رمزاً من الرموز الثقافية والإنسانية والتاريخية.
وتمثِّل «النخلة» ثروة وطنية في المجتمع الإماراتي، تتواجد في كل بيت وفي مناطق الدولة كافة، وشوارعها، ومزارعها، وواحاتها. تتكيّف مع البيئة الصحراوية، وتتحمل الجفاف ودرجات الحرارة العالية وملوحة المياه، وتُعَد تراثاً حيّاً وتحظى بتقدير من الكبير والصغير، فهي ليست مجرد شجرة، وإنما تشكِّل رمزاً للأصالة والصمود، وشاهداً على مراحل التطور.
مصدر للبركة
ارتبط المجتمع الإماراتي بـ «النخلة» منذ القِدم، فهي مصدر للخير والبركة، ولطالما مدّت أفراده بالغذاء، والدواء، والمسكن، والمعدات، والأثاث، وأدوات العيش، ووسائل التنقل اللازمة للتواصل الحضاري مع الشعوب. كما أن منتجاتها كانت ولا تزال تشكل مواد خاماً لمعظم الاحتياجات اليومية، فمن جريدها وسعفها بني «بيت العريش»، وهو المسكن التقليدي، ومن خوصها صُنع أثاث المنزل وأدواته. ارتبطت بالعادات والتقاليد في زراعتها، واختيار أصنافها، وإكثارها، والعناية بها، وتصنيع منتجاتها، وحفظ ثمارها، ومعالجة الآفات التي تصيبها. وكل ذلك في مواسم مجتمعية تطورت مع مرور الزمن، حتى دخلت إلى المهرجانات الثقافية والاجتماعية التي تدعم استدامتها.
في الشِّدة والرخاء
ذكر الباحث في التراث أحمد الحفيتي، أن المجتمع الإماراتي ينظر إلى «النخلة» على أنها الأرض والأم والحياة، فلطالما وفّرت له البيت والطعام والحماية والظل والراحة والأدوات، كما لجأ إليها في أوقات الشِّدة والرخاء، ووجدها بجانبه صيفاً وشتاءً، مستفيداً من كل أجزائها. وكانت الأساس في الكثير من الصناعات والحِرف اليدويّة، ومن نواتها صُنعت مواد التجميل والقهوة، إضافة لما يرتبط بها من طقوس وممارسات حيث تحضر في الطب الشعبي، والأمثال والحكايات والأشعار والألغاز.
وأضاف: المجتمع الإماراتي تربطه بـ«النخلة» صلة عميقة، تتمثل في الممارسات الاجتماعية، وقد شكلت زراعتها عاملاً مهماً من عوامل الاستقرار، ومقوماً من مقومات الارتباط بالمكان، وتوفير دعامة أساسية لمواجهة تحديات البيئة الصحراوية.
عادات وتقاليد
امتلاك «نخلة» كان مصدراً من مصادر الشعور بالفخر والاعتزاز والأمان، وكانت مواسمها المتعددة مناسبات اجتماعية وثقافية وترفيهية، يبرز من خلالها التعاون، والتكاتف، والإيثار، وتبادل الخبرات، والمعارف، والبهجة، والسرور.
استدامة
تحافظ «النخلة» على مكانتها في دولة الإمارات التي تخصِّص لزراعتها مساحات في كل مشروع تنموي، كما تخصِّص لها الدراسات والمهرجانات والمعارض والجوائز لتطويرها واستدامتها كرمز ثقافي وطبيعي. ويحرص كبار السن على نقل معارفها وصونها للأجيال.
«اليونسكو»
أدرجت منظمة اليونسكو «النخلة» ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2019 كملف عربي مشترك، تعزيزاً لمكانتها رمزاً تاريخياً وثقافياً يجسِّد العطاء والاستدامة والهوية العربية، بحيث تمثِّل «شجرة الحياة» وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتقاليد، والحِرف اليدوية، والوجدان الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة العربية، وتحظى بمكانة تاريخية وثقافية متفرِّدة.