علي عبد الرحمن (القاهرة)
يقدّم طارق لطفي، في مسلسل «فرصة أخيرة» شخصية درامية تتّسم بقدرتها على تجاوز حدود الحكاية التلفزيونية لتلامس أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة الإنسان وحدود اختياراته الأخلاقية، وذلك عبر شخصية «بدر أباظة»، الرجل الذي يعيش صراع عالمين متناقضين، عالم الطموح الاجتماعي الصاعد، وعالم القيم التي تتعرض للاهتزاز حين توضع تحت ضغط السلطة والمال والخوف على العائلة.

اختبار أخلاقي
لا يقدّم طارق لطفي، نموذج الشر الدرامي التقليدي الذي اعتادت الدراما أن ترسمه بملامح صلبة وانفعالات حادة، بل يذهب بالشخصية إلى منطقة أكثر تعقيداً، حيث يصبح الشر أقرب إلى موقف ذهني مبرَّر في وعي صاحبه، إذ إن «بدر أباظة» ليس شريراً بمعناه الفج، بل رجل يرى نفسه حارساً لعالمه الخاص، ويعتقد أن ما يفعله إنما هو دفاع مشروع عن أسرته ومكتسباته.
يجسّد لطفي في المسلسل شخصية رجل عصامي بدأ حياته من القاع في أحد الأحياء الشعبية، متشبعاً بلغة الشارع وإيقاعه القاسي، قبل أن يشق طريقه بإصرار نحو عالم المال والنفوذ، حتى يصبح واحداً من كبار رجال الأعمال، غير أن هذا الصعود الاجتماعي اللافت لا يلبث أن يضعه في مواجهة اختبار أخلاقي. 

تفاصيل دقيقة
أوضح طارق لطفي، أن «بدر أباظة» من أكثر الشخصيات ثراءً في مسيرته الفنية، وهي شخصية متعددة الطبقات ومليئة بالتفاصيل الدقيقة، مشيراً إلى أن ما جذبه إليها منذ القراءة الأولى للسيناريو هو خلفيتها الاجتماعية، فهي لرجل نشأ في بيئة شعبية وعرف مبكراً قسوة الحياة وصعوبة الصعود الاجتماعي، قبل أن ينجح في شق طريقه إلى عالم مختلف تماماً. ولفت إلى أن هذا التناقض بين الجذور الشعبية والمكانة الاجتماعية الجديدة كان أحد المفاتيح الأساسية لفهم الشخصية، فالإنسان كما يقول مهما ارتقى اجتماعياً أو مادياً، يظل محتفظاً في داخله بقدر من ملامح بيئته الأولى، قد يظهر ذلك في نبرة صوته أو في طريقته في التفكير أو حتى في ردود فعله.
وعلى مستوى الأداء، اختار لطفي أن يبتعد بالشخصية عن التعبير الصاخب أو الانفعال المباشر، معتمداً على اقتصاد واضح في الحركة والصوت.

أبعاد عميقة
وأكد طارق لطفي، أنه تعمّد الابتعاد عن النبرة الصوتية التي اعتاد الجمهور سماعها منه في أعمال سابقة، واختار إيقاعاً أكثر بطئاً وثباتاً يتناسب مع طبيعة الشخصية، غير أن الحفاظ على هذا الإيقاع طوال العمل لم يكن أمراً سهلاً، إذ تطلب درجة عالية من التركيز والانضباط، لأن مثل هذه التفاصيل الدقيقة هي التي تصنع الفارق الحقيقي بين شخصية وأخرى. وذكر لطفي أن هذه التحديات تمنح العمل متعته الفنية، فالممثل في رأيه يبحث دائماً عن المنطقة التي لم يكتشفها بعد في نفسه وفي أدواته، والشخصيات المركبة تمنحه فرصة لخوض هذا الاكتشاف.
ويرفض لطفي اختزال الشخصية في وصف «الشرير»، موضحاً أن الرجل يتحرك وفق منطق خاص يراه عادلاً، فكل ما يفعله في نظره هو دفاع عن عائلته وعن العالم الذي بناه بجهده.
وتتخذ الأحداث منحى أكثر توتراً مع ظهور القطب الثاني في المسلسل، الذي يجسّده محمود حميدة، حيث تتقاطع رؤيتان مختلفتان للعالم، لكل منهما منطقه الخاص وطريقته في الدفاع عن مبادئه، ويصف لطفي هذا الصراع بأنه أحد أهم مصادر الطاقة الدرامية في العمل، لأنه لا يقوم على مواجهة سطحية بين الخير والشر، بل على صدام بين منظومتين فكريتين لكل منهما مبرراتها.

نافذة مهمة
وأعرب طارق لطفي، عن سعادته بعرض مسلسل «فرصة أخيرة» عبر شبكة «قنوات أبوظبي»، مؤكداً أن هذه المنصة الإعلامية العربية تمثّل نافذة مهمة للوصول إلى جمهور واسع في المنطقة. ويشير إلى تقديره الخاص للمشاهد الإماراتي، الذي عُرف باهتمامه ومتابعته الدقيقة للأعمال الدرامية العربية، وما يتمتع به من ذائقة فنية واعية تمنح العمل صدى مختلفاً.

مساحة هدوء
وذكر طارق لطفي، أن شهر رمضان مساحة خاصة للهدوء ولمّ شمل العائلة، على الرغم من انشغالات العمل وضغط التصوير في بعض السنوات، ويحرص على أن يجتمع مع أسرته حول مائدة الإفطار قدر الإمكان، معتبراً أن هذه اللحظات البسيطة تحمل معنى مختلفاً في الشهر الكريم. كما أنه يفضّل الأكلات المصرية التقليدية التي ارتبطت بذاكرة رمضان منذ الطفولة، مثل الملوخية والمحشي وبعض الأطباق المنزلية البسيطة، إلى جانب المشروبات الرمضانية المعتادة.
وقال إن طقوس رمضان لا تكتمل فقط بالطعام، بل بأجواء الهدوء الروحي والتقارب العائلي.