أبوظبي (الاتحاد)
في ظلِّ عالم مفتوح تتدفق فيه المعلومات بلا حدود، باتت مسؤولية توجيه الأطفال والمراهقين نحو فهم ما يدور حولهم بوعي واتزان، أولوية مجتمعية لا تقتصر على الأسرة فقط، بل تمتد لتشمل المدرسة والإعلام ومختلف مؤسسات التنشئة، بما يضمن بناء جيل قادر على التفاعل المسؤول مع الأحداث، وينسجم مع قيَم المجتمع والمصلحة العامة.
وعي نقدي
تتزايد الحاجة إلى التوجيه الأسري والمجتمعي في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت المصدر الأول لتلقِّي الأخبار لدى النشء، مما يفرض ضرورة إعداده للتعامل مع هذا التدفق المعلوماتي بوعي نقدي، يمنعه من الانسياق وراء الشائعات أو الأفكار السلبية.
الأكثر تأثيراً
قال الدكتور محمد عبد العزيز، أستاذ العلوم والتربية، إن زيادة الوعي المجتمعي لدى الأطفال والمراهقين ليست مهمة فردية، بل هي عملية متكاملة تشترك فيها الأسرة والمدرسة ومؤسسات الدولة، وعلى رأسها الإعلام، باعتباره الأداة الأكثر تأثيراً في تشكيل الوعي واختراق الفكر. وأضاف: تمثِّل الأسرة خط الدفاع الأول، من خلال تقديم نموذج يُحتذى به في السلوك والتفكير، موضحاً أن غياب هذا الدور قد يؤدي إلى ترسيخ أفكار سلبية أو مغايرة لقيَم المجتمع لدى الأبناء.
وشدَّد على أهمية وجود برامج إعلامية وتوعوية لتصحيح بعض المفاهيم لدى الآباء والأمهات، بما يضمن بيئة أسرية متوازنة، لافتاً إلى أن المدرسة تلعب دوراً محورياً، باعتبارها مؤسسة نظامية تقضي فيها الأجيال الصغيرة جزءاً كبيراً من وقتها، ما يستدعي تطوير المناهج وتنقيحها، بما يعزّز قيَم الوعي والمسؤولية، إلى جانب متابعة الكوادر التعليمية والتأكد من تأهيلها فكرياً وثقافياً، لضمان تقديم نموذج تربوي سليم للطلاب.
تصحيح المفاهيم
وأشار د. عبد العزيز إلى أهمية استثمار الانفتاح الإعلامي في تقديم محتوى موجّه يسهم في تصحيح المفاهيم، لاسيما ما يتعلّق بالأحداث الجارية، من خلال برامج مدروسة تستهدف تنمية المعارف لدى النشء، بما يمكّنه من فهم السياقات المختلفة للأحداث من دون تشويش أو تضليل. ودعا إلى فتح قنوات حوار مستمرة مع الأطفال والمراهقين، قائمة على النقاش والقدوة، لتعزيز قدرتهم على التعبير عن آرائهم بشكل واعٍ ومسؤول، مشدداً على ضرورة دمج الوعي الرقمي ضمن المناهج التعليمية، في ظل قضاء الأطفال والمراهقين ساعات طويلة على المنصات الرقمية.
وأكد على أهمية إكساب الأطفال والمراهقين مهارات التحقّق من مصادر المعلومات، والتمييز بين الأخبار الصحيحة والزائفة، مع تعزيز الشعور بالمسؤولية تجاه ما ينشرونه أو يتفاعلون معه، مشيراً إلى دور المؤسسات الثقافية والرياضية، مثل النوادي، في دعم هذا التوجّه، إلى جانب الجهات المعنية بحماية الطفولة، بما يسهم في تنقية الفكر الجمعي من المؤثرات السلبية.
التفاعل المسؤول
وقالت الدكتورة إيلاريا عاطف، الخبيرة التربوية، إن تنامي حضور القضايا المجتمعية في وسائل الإعلام، لاسيما الرقمية، يجعل الأطفال والمراهقين في قلب الأحداث، ما يطرح تساؤلات حول قدرتهم على قراءة هذه الأحداث بموضوعية وإصدار أحكام متوازنة.
وأضافت: إن التحدي الحقيقي يكمن في تمكين النشء من أدوات التفكير النقدي، من خلال مناهج تعليمية تساعده على التمييز بين الرأي والحقيقة، وبين الشائعات والوقائع، بما يعزّز قدرته على فهم ما يدور حوله بشكل صحيح.
وأوضحت أن هذا الوعي لا يقتصر على التحليل، بل يمتد ليشمل إدراك أهمية الاستقرار المجتمعي، وقيمة الحفاظ على مكتسبات الدول، مشيرة إلى أن غياب هذا الإدراك قد يؤدي إلى تبنِّي رؤى سطحية أو متأثرة بمصادر غير موثوقة.
فهم عميق
أوضحت د. إيلاريا عاطف أن تنمية الوعي المجتمعي تسهم في تشكيل جيل يدرك أن التحديات الكبرى تتطلّب فهماً عميقاً، وأن الحفاظ على تماسك المجتمعات واستقرارها يبدأ من وعي أفرادها، وقدرتهم على التفاعل المسؤول مع ما يحوط بهم، مشيرة إلى أن النتيجة المنطقية لتلك الجهود هي جيل تتماشى آراؤه وتفاعلاته مع المصالح الوطنية والمجتمعية.