علي عبد الرحمن (القاهرة)
توفي المطرب المصري هاني شاكر، أمس الأحد عن عمر يناهز الـ 74 عاماً، بعد أزمة صحية ألمّت به خلال الأسابيع الماضية. وهو لطالما أثبت أنه في تاريخ الغناء العربي، تُقاس الأصوات بقدرتها على البقاء في الذاكرة، حيث لم يكتفِ بأن يكون امتداداً لجيل الطرب الكلاسيكي، ولم ينخرط كلياً في صخب الحداثة، بل اختار أن يكون جسراً بين زمنَين.
النشأة والعائلة
منذ بداياته، لم يدخل هاني شاكر، المشهد بوصفه قطيعة مع ما سبقه، بل كحوار طويل معه. وهكذا تشكّلت تجربته كمسيرة هادئة تسعى إلى الحفاظ على المعنى في زمن يتبدّل فيه كل شيء، ويُعيد صياغته، بصوت يعرف جيداً كيف يُصغي قبل أن يغني.
وُلد هاني عبد العزيز شاكر، في القاهرة في 21 ديسمبر عام 1952، ونشأ في بيئة أسرية أسهمت في تشكيل ملامح شخصيته من حيث الميل إلى الهدوء والالتزام. فقدان والده عام 1970، ترك أثراً نفسياً واضحاً في شخصيته، واستمرت والدته في دعمه حتى وفاتها عام 2009، كما شكَّل رحيل ابنته دينا عام 2011، بعد صراع مع المرض، محطة إنسانية فارقة في حياته، انعكست، على نحو غير مباشر، على أدائه الفني، مضيفة إلى صوته بُعداً وجدانياً أكثر عمقاً.
«حلوة يا دنيا»
بدأت مسيرته الفنية منذ ظهوره السينمائي المبكر في فيلم «سيد درويش» عام 1966، إخراج أحمد بدرخان، حيث جسَّد شخصية سيد درويش، في طفولته بعد اختياره من بين عدد من الأطفال. وجاء التحوّل الحقيقي في مساره الاحترافي بالغناء في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، حيث شكَّل التعاون مع الموسيقار محمد الموجي، نقطة تأسيس محورية، إذ قدمه للجمهور لأول مرة كمطرب شاب بأغنية «حلوة يا دنيا»، عام 1972. وبدأ اسمه يتكرّر داخل المشهد الغنائي بوصفه صوتاً جديداً يحمل ملامح رومانسية هادئة. واعتقد البعض في البداية أن الصوت يعود إلى جيل المطرب عبد الحليم حافظ، ما يعكس قوة الانطباع الأول. وقدم أول ألبوماته «كده برضه يا قمر» عام 1975، حين كانت الأغنية العربية لا تزال تميل إلى البناء الطربي الكلاسيكي، ليعلن منذ البداية عن ملامح مشروعه القائم على الرومانسية الهادئة والإحساس المتوازن.
«معادلة زمنين»
يقول الناقد الموسيقي محمود فوزي، إن تجربة هاني شاكر، لا يمكن مقاربتها إلا بوصفها «معادلة زمنَين» تتقاطع فيها الذاكرة الغنائية العربية مع تحوّلات الصناعة الحديثة، فهي تجربة تشكّلت في مساحة انتقالية دقيقة بين زمن الأغنية الطويلة، ذات البناء الدرامي الممتد، وزمن الأغنية السريعة، من دون أن يعني ذلك انقطاعاً عن الجذور الأولى. وخلال مسيرته الممتدة، قدم هاني شاكر، نحو 600 أغنية، و34 ألبوماً غنائياً، حتى أحدث ألبوماته «اليوم الجميل» عام 2024، ما يعكس حجم الإنتاج واتساع التجربة عبر أجيال موسيقية متعددة. وفي ثمانينيات القرن الماضي، عزَّز حضوره عبر ألبومات رسَّخت ملامح هويته الرومانسية، أبرزها «أحلى الذكريات» - 1984، و«علي الضحكاية» - 1987، الذي حقّق انتشاراً واسعاً.
ثلاثية واضحة
ويقرأ فوزي مرحلة التسعينيات من القرن الماضي بوصفها لحظة نضج فني لهاني شاكر، تجلّت في أعمال مثل «مشتاق لك» - 1993، و«أحلى الليالي» - 1996، حيث اتجه أداؤه نحو تعميق البعد الوجداني. ومع بداية الألفية، واصل حضوره بأعمال أكثر تأملاً مثل «كده كفاية» -2001، التي عكست ميلاً إلى البساطة التعبيرية. ويرى فوزي، أن هاني شاكر، ظلَّ محافظاً على خطه الجمالي الأساسي، من دون أن ينفصل عن زمنه أو يذوب فيه بالكامل، والتغيّر في نظره، لم يكن تهديداً للهوية، بل اختبار اجتازه عبر ثلاثية واضحة: نصوص لغوية مستقرة لا تنزلق إلى الابتذال، ألحان تحتفظ بروح الطرب، وأداء يقوم على الإحساس. ومن هذا المنظور، تصبح تجربة هاني شاكر، حالة خاصة من «الأغنية المحافظة الحديثة»، ويتكرّس لقبه «أمير الغناء العربي» خلاصة لمسار طويل من التراكم الفني والاستمرارية والقدرة على التكيّف من دون فقدان الهوية.
ظهور انتقائي
اتّسم حضور هاني شاكر، في السينما والمسرح والبرامج التلفزيونية، بطابع محدود ومتقطع، حيث شارك في 5 أفلام فقط خلال مرحلة مبكرة، بينها «سيد درويش»، «عندما يغني الحب»، «عايشين للحب»، «هذا أحبه وهذا أريده»، و«المصباح السحري». وفي المسرح، اقتصر حضوره على تجربتَين: «سندريلا والمداح» أمام نيللي، وحسن حسني، ومحمد نجم، و«مصر بلدنا».
وفي البرامج التلفزيونية، ظلَّ ظهوره محدوداً، إذ شارك في نوفمبر 2020 عضو لجنة تحكيم في برنامج «ذا فويس: أحلى صوت»، ثم شارك في برنامج «صوت الحياة»، في تجربة ارتبطت بدور التقييم الفني. وتكشف هذه المشاركات عن نمط واضح في مسيرته خارج الغناء، يقوم على الظهور الانتقائي مقابل استقرار لعقود داخل الغناء.
جوائز
حظي هاني شاكر، خلال مسيرته الفنية بعدد كبير من الجوائز والأوسمة التي عكست امتداد حضوره عربياً وتقدير عدد من الدول لتجربته الغنائية، بينها وسام الاستحقاق من الرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي، ليصبح ثاني فنان عربي يحصل عليه بعد المطربة فيروز.
نقيب المهن الموسيقية
تولّى هاني شاكر، منصب نقيب المهن الموسيقية في مصر عام 2015، في مرحلة شهد فيها الوسط الفني تحوّلات واضحة في أنماط الغناء والإنتاج والتلقّي. واتّجه إلى تبنّي سياسات تقوم على إعادة ضبط قواعد العمل النقابي، فيما يتعلّق بمنح تصاريح الغناء وتنظيم الحفلات، مع تشديد على الالتزام بالمعايير المهنية في الأداء والكلمة والمظهر العام. وارتبط هذا التوجّه برؤيته لأهمية الحفاظ على الهوية الغنائية التقليدية في مواجهة أنماط موسيقية جديدة فرضتها التحولات السريعة في السوق. واستمرت ولايته حتى عام 2022، لتبقى تجربته في النقابة واحدة من أكثر الفترات تأثيراً، بوصفها امتداداً مباشراً لصورة فنان انتقل من صناعة الغناء إلى إدارة شروطه وحدوده.