إنه لمن الجيد أن نكون قادرين على احتواء ذواتنا والاستمرار في تحمل الأحداث من حولنا، فما يمكن أن نراه اليوم يجعل المرء غير قادر على استيعاب المواقف من حوله.
وإن سيرورة الحياة تتطلب من الإنسان أن يكون على قدر كبير من الوعي ومن القدرة على التحمل، وفهم ما يدور حوله من تحولات قد تؤدي إلى فقدان السيطرة على الفعل ورد الفعل. نحن نعيش في زمن فيه الكثير من القفزات والتطورات، ومن التغير الإنساني والقيمي في طبيعة علاقاتنا ببعضنا كبشر.
قدرة بعضنا على فهم الآخر أصبحت قاصرة، وارتفاع درجة الأنا والنرجسية قد تُفقد هذا البعض، من هم في محيطه الأسري والمجتمعي، ما دام لا يرى إلا بعين واحدة وفي اتجاه واحد، ولا يوجد في محيطه العاطفي إلا شخص واحد. وهكذا تبدو الأمور ضبابية، ونسبة الوضوح فيها ضئيلة جداً، وكذلك القدرة على الرؤية الجيدة وكشف الواقع. وتلك مغامرة كبرى قد يرفضها البعض، وقد يستطيع البعض الآخر قراءتها بشكل دقيق وواضح.
هناك مساحة شاسعة تمكننا من التفكير العميق، ومن التأمل، فالتأمل موهبة وحالة خاصة وليس كل شخص بقادرٍ على أن يتأمل أو يستوعب ما وراء تلك الحالة من الدهشة التي يفرضها الوقت في تلك اللحظة من الفاصل الزمني المؤدي إلى الطريق المنشود.
في معترك الحياة، على الإنسان أن يكون على قدر من القوة الذاتية والنفسية، والاستراتيجية والإدارية، والأخلاقية والقيمية، كل ذلك في سلة واحدة، وفي زمن ودائرة وإدارة واحدة، تتعلق بنا مباشرة، بدواخلنا وبأعماقنا وبوعينا بما يدور حولنا، وبارتباطنا بأفراد أسرنا يعني مجتمعنا الصغير، ثم مجتمعنا الأوسط، ثم مجتمعنا الكبير الذي هو الوطن.
عندما تكتمل هذه الدائرة على المرء أن يكون قارئاً جيداً، وناقداً ملهماً يتعلم مما يحدث أمامه، ويستشرف ما يمكن أن يحدث من ورائه، لا يقف في نظره عند حد خطواته الأولى، بل يمدّ الخطوة نحو البعيد، ذاك البعيد الذي يحمل الكثير من التنوع حتى شكل حضوره، وإلحاحه علينا بأن نتقبل ما نراه اليوم من تراجع أخلاقي وقيمي عند بعض أولئك الذين أغلقوا حياتهم على وسائل التواصل الحديثة، وعلى البث المباشر، وعلى سلوكيات لم تعتدها مجتمعاتنا العربية.
من هنا، فإن عدم التسرع في دراسة هذا الواقع والكشف عما في داخله، مطلب ضروري للوصول إلى مستقبل أكثر إشراقاً ونضارة وحيوية.