أبوظبي (الاتحاد)
التراث الإماراتي، تجسيد لملحمة كفاح الأجداد، الذين صنعوا من رحم البَر والبحر قصة نجاح ملهِمة، اعتمدت على قيَم «السنع»، والصبر، والتعاون، وإتقان الحِرف اليدوية والصناعات التقليدية وابتكار أدوات تُعينهم على العيش وتسهِّل حياتهم وبناء أساس متين للمجتمعات المتعاقبة.
وخلَّد الأجداد هذه الحِرف والعادات والتقاليد والممارسات ونقلونها بكل فخر للأجيال، كإرث حيّ يربط بين الماضي والحاضر ويستشرف المستقبل.
أمانة وإخلاص
عبَّر مجموعة من الحِرفيات والحِرفيين الإماراتيين عن سعادتهم وهم يعملون على حراسة الإرث بكل عناية، موضِّحين أن في كل حِرفة ومع كل قطعة يتجلّى كفاح الأجداد، الذين سطّروا أمجاداً وأوجدوا بفعل ذكائهم صناعات أعانتهم على العيش. واليوم يعملون على نقل هذا الإرث للأجيال بأمانة وإخلاص، لصون الموروث وتناقله عبر الأجيال كنزاً وطنياً مستداماً.
وأكدوا أن الأسلاف وفَّروا وسائل تساعدهم في السفر والعيش والغذاء والدواء والسكن والملبس والأثاث، والتي تشكِّل نافذة على الكفاح والصبر، وتشهد على قوة الصمود، مشيرين إلى أنهم يعملون بتفانٍ لضمان استدامة هذه الحِرف وتعليمها للأحفاد ليحافظوا عليها ويتوارثوها.
حماية الذاكرة
قال محمد اللوغاني، صانع سفن تقليدية، إنه اختار حِرفة «القلافة» ليحمي من خلالها الذاكرة الشعبية الإماراتية بطريقته الخاصة. وأضاف: توجَّهت إلى صناعة نماذج السفن التقليدية، لأقدِّم للأجيال صورة حيّة عن تاريخ السفن الإماراتية، وصُنع نماذج دقيقة لـ«البوم»، و«الجالبوت» الذي كان يستوعب ما بين 35 و75 شخصاً، إلى جانب «البقارة» التي عُرفت بخفتها وقدرتها على المناورة. وأوضح أن هذه النماذج، لم تكن مجرد تُحَف فنية، بل روايات مصغَّرة تختصر تاريخ البحر، كما أن صناعة السفن، أو ما يُطلق عليها «القلافة»، هي واحدة من أهم الحِرف التقليدية التي أسهمت في تشكيل ملامح الحياة البحرية في دولة الإمارات ودول الخليج، حيث كانت السفن الخشبية، قبل عقود طويلة، العمود الفقري للحياة الاقتصادية والاجتماعية، ومنظومة متكاملة تحفظ هوية المجتمع وترتبط بذاكرة المكان وإيقاع البحر. بدأت مشاركات اللوغاني في المهرجانات التراثية عام 2003، ووجد تشجيعاً كبيراً من المؤسسات الثقافية في الدولة، فاستمرت أنشطته وازدادت خبرته. ومع مرور الوقت، وصلت أعماله إلى منصات عالمية، إذ عُرضت نماذجه في «متحف اللوفر - باريس» كما قدّم عروضاً حيّة في متحف الشارقة البحري وفي وزارات ومراكز ثقافية دعّمت رسالته في الحفاظ على الهوية البحرية.
صور اجتماعية
حِرفة «الدلالة» إرث حيّ، ارتبطت بأهل الساحل ورافقتها مجموعة من الصور الاجتماعية، حيث تتطلّب الكثير من الحنكة والمهارة في إدارة بيع الأسماك.
تحدّث عنها محمد حسن المرزوقي، الذي يمارسها كمهنة إلى اليوم، إلى جانب استعراضها في المهرجانات التراثية والتثقيفية، وقال: هذه المهنة ارتبطت قديماً بأهل الساحل، تصاحبها مجموعة من الصور الاجتماعية والعادات والتقاليد، وأحرص على استدامتها عبر ورش تفاعلية، حيث أقوم بالدور نفسه الذي يقوم به «الدلّال»، من توفير مختلف أنواع الأسماك وفتح المزاد والمناداة بالأسعار.
قيَم متوارثة
تحظى «القهوة العربية» بمكانة بارزة عند أهل الإمارات، فهي رمز للهوية، وطقس متوارَث من صور «السنع» والكرَم والترابط المجتمعي، تشكِّل إرثاً ثقافياً عريقاً ارتبط، بحسن الضيافة والعادات والتقاليد الإماراتية الأصيلة، شكَّلت جزءاً من الذاكرة الجمعية لأهل الإمارات، حيث رافقتهم في حلِّهم وترحالهم، وحضرت في مختلف المناسبات وزيّنت مجالسهم.
أحمد سعيد مصلح الأحبابي، فائز بـ«بطولة القهوة العربية 2019» عن فئة القهوة الشقراء التي نظّمتها دائرة الثقافة والسياحة بأبوظبي، ومدرب قهوة معتمَد في «بيت القهوة» التابع لدائرة الثقافة والسياحة، ومدرب تراثي في العادات والتقاليد والسنع وآداب المجالس، قال: تعكس «القهوة العربية» في دولة الإمارات الكثير من القيَم، وتُعَد من ملامح التراث الإماراتي والخليجي الأصيل كونها العنصر الثابت على المائدة في الحل والترحال.
وأكد الأحبابي الذي يشارك في مختلف الفعاليات والمهرجانات التراثية للتعريف بـ«القهوة العربية» وخصوصيتها والعادات والتقاليد التي ترافقها، أنه يحرص في المعارض والمهرجانات التراثية على تعليم الشباب طرق إعداد «القهوة العربية»، وغرس قيَمها وحثِّهم على التشبث بعاداتهم وتقاليدهم وترسيخها في المجتمع، لافتاً إلى أن الكثير من الشباب والأطفال باتوا يقدّمون «القهوة العربية» في مدارسهم وفي مختلف المناسبات والمعارض بفخر واعتزاز، ما يدل وعي هذا الجيل بأهمية الموروث الثقافي الإماراتي وقيَمه الراسخة.
حِرفة حيّة
«التلّي» تراثٌ حيٌّ توارثته المرأة الإماراتية، وتنقله اليوم من خلال ورش فنية وتجارب تفاعلية تربط الماضي بالحاضر للأجيال، وضمن الجهود الرامية إلى حفظ الموروث العريق، تزخر المعارض والمهرجانات التراثية، بحكايات النساء اللاتي حافظن على هذا الفن كرحلة بصرية في ذاكرة المجتمع الإماراتي وثقافته، قالت عنه الحِرفية موزة المنصوري، إنها تستعرض مراحل صناعة «التلي» ضمن ورش حيّة، لإطلاع المهتمين على مراحل صناعته والتعرف على الأدوات والتقنيات المستخدمة وأهمية التطريز في الثقافة الإماراتية. وتحدّثت عن العادات والتقاليد التي رافقت ممارسة «التلي» ضمن جماعات وعبر صور اجتماعية، تعكس مدى الترابط والتكافل، حيث كانت نساء «الفرجان» يعملن على هذه الحِرفة في جماعات، ويتعاونّ على إنتاج أجمل الخيوط التي تزين الأثواب.
أصالة البيئة
«السدو» من الحِرف الإماراتية التقليدية الأصيلة التي امتهنتها المرأة الإماراتية، وهو رمز للهوية الثقافية والتراث غير المادي، وأحد إبداعات الجدّات التي توارثتها الأجيال وتُصان حتى اليوم، حيث يشكِّل أحد أبرز الصناعات التي تم تجديدها وإدخالها في منتجات عصرية وصلت للعالمية. وقالت الحِرفية ميثاء راشد، إن هذه الحِرفة التي تعلّمتها من جداتها ووالدتها، ارتبطت بسكان البادية الذين يمارسون تربية الإبل والأغنام والماعز، مستفيدين منها لإنتاج «بيت الشَعر»، والمستلزمات الضرورية من البيئة المحلية. وأوضحت أنها تحرص على نقل قيَمها إلى الجيل الجديد من أجل صونه واستدامته ليكون خالداً، لافتة إلى أن هذا الجيل من الفنانين والعاملين في مجال الديكور والتجديد يُقْبلون على تعلم حِرفة «السدو» ويستوحون منها إبداعاتهم.