تامر عبد الحميد (أبوظبي)
مع بروز أعمال سينمائية ودرامية محلية من نوعية الرعب والتشويق، تشهد هذه الصناعة مرحلة انتقالية من التجريب إلى التأسيس، واستطاعت أن تثبت حضورها محلياً، وتؤكد وجود جمهور يتفاعل مع هذا النوع عندما يقدَّم بمواصفات إنتاجية عالية. هذا النوع من الصناعة يُعَد من أكثر الأنواع تحدياً، لأنه يعتمد على بناء متكامل يجمع بين الكتابة الدقيقة، والإخراج القائم على صنع التوتر، والأداء التمثيلي، إضافة إلى المؤثرات الصوتية والبصرية التي تشكّل العمود الفقري لتجربة الرعب.
نجاح جماهيري
بعد سنوات من التجارب، منها «جن» عام 2013، «شبح» عام 2020، «ثلاثة» 2023، «باب» و«حوبة» 2025، ومسلسل «كائنات» الجزء الثاني، من إنتاج «أبوظبي للإعلام»، وأعمال أخرى أثبتت نجاحاً فنياً وجماهيرياً، وحصدت مراكز متقدمة في شباك التذاكر، يرى صنّاع محتوى إماراتيين، أن أفلام ودراما الرعب دخلت مرحلة جديدة نحو بناء صناعة متخصِّصة تمتلك جمهورها وهويتها الخاصة.
عالم مستقِل
يقول المخرج والكاتب والمنتج عامر سالمين المري، الذي تولّى إخراج وإنتاج فيلم «شبح»: الرعب الإماراتي انتقل من التجربة إلى صناعة تفرض حضورها المحلي، فالرعب عالم مستقِل، يعتمد على بناء الشخصيات الغامضة وصناعة التوتر والتشويق، مما يجعله مختلفاً عن الدراما التقليدية، كما أن تنفيذ أعمال الرعب يعتمد على منظومة كاملة، وأي خلل يؤثِّر على التجربة.
ويتحدث المري عن أبرز التحديات التي تواجه صانع فيلم الرعب، وتتمثل في قلة الكوادر المتخصِّصة، ومواقع تصوير مناسبة، والميزانية الضخمة التي يتطلّبها هذا النوع بسبب الاعتماد على التصوير الليلي، وبناء ديكورات خاصة. ويظهر تطوّر في تقبل الجمهور الخليجي لهذا النوع، مع تأثير المنصّات الرقمية التي جعلته أكثر وعياً.
ويؤكد المري أن أعمال الرعب الإماراتية تحقِّق نقلة نوعية، وأثبتت نجاحاً فنياً وجماهيرياً، ما يعني الدخول إلى مرحلة تأسيس صناعة حقيقية، وخوض مرحلة المنافسة.
ويضيف: نمتلك مادة غنية من الموروث الشعبي والحكايات المحلية، فهي بمثابة كنز غير مستثمَر لصناعة رعب بهوية محلية، والتحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا المخزون إلى أعمال مكتوبة، وصياغته سينمائياً بشكل احترافي يمنحه هوية بصرية.
مواصفات عالمية
يرى عامر المري، أن هذا النوع من الإنتاجات يتّجه نحو نمو واضح خلال السنوات المقبلة، مدفوعاً بجيل من المشاهدين وصنّاع المحتوى، بشرط استمرار تطوير الصناعة، وتعزيز الكوادر، ورفع مستوى الإنتاج. ويبقى الهدف الأساسي إنتاج أعمال تمتلك مواصفات ومعايير سينمائية عالمية.
عناصر جودة
من جهتها، تؤكد المخرجة نهلة الفهد، أن أفلام الرعب والتشويق الإماراتية تجاوزت مرحلة التجربة لتصل إلى المنافسة في المهرجانات الدولية ونيل الجوائز. وتوضح أن هذا التطوّر هو نتاج وعي لدى صنّاع السينما والدراما المحلية، مثل فيلم «218 خلف جدار الصمت»، الذي يتناول قضية العنف الأسري بقالب درامي، وقد رشِّح لـ3 جوائز في أمستردام، وحصد شهادتَي تقدير كأفضل فيلم وأفضل إخراج، مع فوز بطلته أمل محمد، بجائزة أفضل ممثلة في منافسة شملت عدة دول آسيوية. وتذكر الفهد أن نوعية أفلام ودراما الرعب المحلية بحاجة إلى تسويق وتوزيع أقوى عبر المنصّات العالمية، وتوفير دعم مادي وإعلامي مكثَّف لتسليط الضوء على المشاركات الدولية، والتركيز على الكيف وليس الكم، لضمان استمرارية رضا الجمهور الذي يقارن الإنتاج المحلي بالمعايير العالمية. وتتوقع مستقبلاً مزدهراً لهذه الإنتاجات، خصوصاً مع نجاح تجارب مثل مسلسل «كائنات» الذي يُعرض جزؤه الثاني على منصة ADtv، نتيجة الإقبال الجماهيري الذي حصده الجزء الأول.
ثقافات مختلفة
بدورها، ترى المخرجة نايلة الخاجة، التي قدمت تجربتَين بارزتَين في أفلام الرعب: «ثلاثة» و«باب»، أن السنوات الأخيرة أثبتت قدرة السينما الإماراتية على تقديم أعمال تنتمي إلى هذا النوع الفني بمواصفات عالمية، وتقول: إن نجاح الفيلمَين في المشاركة بمهرجانات دولية وحصد جوائز عالمية، يؤكد أن الرعب أصبح جسراً للوصول إلى جمهور عالمي عندما يرتكز على قصة قوية ومعايير إنتاجية عالية. وتشير إلى أن فيلم «ثلاثة» حظي باهتمام واسع، وتمت ترجمته إلى عدة لغات، ما يعكس قابلية المحتوى الإماراتي للوصول إلى ثقافات وأسواق مختلفة. وتضيف: ما يميّز أفلام ودراما الرعب الإماراتية، امتلاكها مادة سردية مستمدة من الموروث الشعبي والبيئة المحلية، حيث إن هذه الصناعة تمتلك مقوِّمات النمو للتحوّل إلى قصص سينمائية مؤثِّرة، وتتطلّب الاستثمار في الكوادر المتخصِّصة، وتعزيز فرص التوزيع الدولي.
مزايدات
من جانبه، يؤكد الممثل والمنتج د. حبيب غلوم، دعمه لأي تطور فني يخدم الصناعة المحلية، واضعاً عدة نقاط حول الفوارق الفنية بين الرعب والتشويق. ويستشهد بمشاركته في أعمال اتّسمت بالتشويق وحالات الترقّب، مثل فيلم «218 خلف جدار الصمت» مع نهلة الفهد، وفيلم «المختارون» مع علي مصطفى. ويقول: التشويق عنصر مهم وحيوي في أي عمل فني، حتى لو أدخل الشخصية في حالة نفسية من الخوف والترقّب، رافضاً ما وصفه بـ«المزايدات» الموجودة في أفلام ودراما الرعب، إذ إنه لا يميل إلى توظيف الرعب في أعمال تهدف للتخويف فقط. ويرى أن أفلام الرعب تعتمد على الصورة والتقنيات أكثر من الفكر والقصة، كما تتطلّب تقنيات خاصة، ويرى أن معظم المشاهدين في الإمارات والخليج يفضِّلون الأعمال المبنية على قصة ورسالة، باستثناء فئة من الشباب التي قد تستهويها أعمال الرعب. ويتحدث غلوم عن إشكالية التوزيع، مشيراً إلى أن الأعمال المحلية غالباً ما تبقى «حبيسة الأدراج» في القنوات المحلية التي أنتجتها، مما يصعِّب قياس قدرتها على المنافسة خارج نطاق المحلية. ويؤكد أن الطموح هو وصول الفيلم الإماراتي إلى العالمية، مشدداً على أهمية مواكبة التطوّر الذي تشهده السينما العربية لفرض الوجود في المهرجانات الكبرى.
استكشاف المخاوف
يقول المخرج والكاتب ناصر التميمي، الذي أخرج فيلم «قطرة دم»، أن ما يميّز صناعة سينما ودراما الرعب هو القدرة على استكشاف المخاوف الإنسانية العميقة وتحويلها إلى تجربة فنية مؤثِّرة، خصوصاً عندما تنطلق من البيئة والثقافة المحلية. وأضاف: الرعب لا يُصنع بالمؤثرات فقط، بل يبدأ من النص مع بناء التوتر والإيقاع النفسي، ثم تأتي مهمة الإخراج في توفير أجواء مقنعة، وأي خلل في الكتابة أو التنفيذ قد يُفقد العمل تأثيره. ويؤكد التميمي أن الجمهور أصبح أكثر انفتاحاً بسبب المنصّات الرقمية، والأجيال أصبحت أكثر اهتماماً بالأعمال التي تقدِّم التشويق والغموض بأساليب حديثة. وتابع: حقّقت الأعمال الإماراتية خطوة مهمة في فتح الباب أمام هذا النوع من الإنتاج، ولا نزال في مرحلة البناء والتراكم، حيث إن النقلة الحقيقية تحتاج إلى استمرارية وإنتاجات أكثر تنوّعاً وطموحاً. وأستكمل: انتقلنا من مرحلة التجربة إلى التأسيس، ونسعى للوصول إلى المنافسة الدولية.
تراث غني
يذكر ناصر التميمي، أن تجارب الرعب الإماراتية في السينما والدراما أظهرت رغبة حقيقية في التنويع والخروج من القوالب التقليدية. ويقول: أسهمَت مختلف التجارب في تطوير المشهد، وإثراء التجربة المحلية، والوصول إلى الجمهور العالمي مسألة وقت.