تامر عبد الحميد (أبوظبي)
«الجيوموسيقية» مصطلح موسيقي معرفي يعمل على تنفيذه الدكتور طارق المنهالي، نائب رئيس جمعية الموسيقيين الإماراتيين، مستشار قانوني في الملكية الفكرية و«الجيوموسيقية»، تميز بمزج الأصالة والتراث الإماراتي بالموسيقى العربية الأخرى، وقدَّم أسلوباً جديداً بعنوان «الجيوموسيقية»، التي تُعنى بدراسة العلاقة بين الموسيقى والجغرافيا الثقافية التي تنشأ وتنبع منها، مع التركيز على كيفية استخدام هذا الترابط كأداة من أدوات الدبلوماسية الثقافية والقوة الناعمة التي تعزِّز مفهوم التبادل الثقافي والحفاظ على الهوية الفنية الأصيلة لكلٍ منها.
تمازج ثقافي
يوضح الدكتور المنهالي أن هذه الطريقة تتم من خلال تهيئة قدرات المبدعين في المجال الموسيقي، لدراسة الثقافات الأخرى، ومن ثم التكيّف مع الموسيقى الشعبية الخاصة بكل بلد، والوصول إلى تمازج ثقافي لا يعتمد فقط على تغيّر جنسية المؤدي، كما جرت العادة، بل يذهب إلى تبادل التراث والثقافة بلوحات تجمع هذه الحضارات بشكل مختلف. ويقول: خضت في مراحل تأليف كتاب يحمل عنوان «الجيوموسيقية»، بشكل واسع يؤسس لمدرسة معنية بنشر تراث دولة الإمارات الموسيقي بطريقة مميزة ومبنية على أسس حديثة، ومستنداً على تجاربي وأعمالي ومؤلفاتي الموسيقية، بشقيها النظري والعملي التي قدمتها عبر 3 فصول أساسية.
وتابع: الفصل الأول «شعبنة الفصيح»، هو مصطلح يطلق على عملية تلحين وغناء اللغة العربية الفصحى باللحن الشعبي الإماراتي، حيث تم تقديم واستعراض هذا المصطلح من خلال تلحيني لأبيات شهيرة للشاعر المتنبي، في برنامج «أمير الشعراء» عام 2021، مجسِّداً بذلك لوحة فنية موسيقية أدبية شمولية للعالم العربي، بأسلوب موسيقي تراثي إماراتي أصيل.
شعبنة الفنون
وأضاف: خضت تجربة «شعبنة الفنون»، وهو مصطلح يطلق على تلحين وغناء اللهجات العربية المتعددة ضمن قالب لحني إماراتي تراثي أصيل، وهذا ما يظهر في مجموعة من أعمالي الموسيقية، أبرزها تلحين وغناء عمل باللهجة الصحراوية المغربية الحسانية بعنوان «قلت لروحي لاتملي» للشاعر د. عمر الراجي، بتمازج مع الألحان الإماراتية الأصيلة، مع الحفاظ على رونق ثقافة البلدين. كما أعدت توزيع موسيقى لأغنية من المكتبة الموسيقية السودانية للموسيقار د. عبد القادر السالم، بعنوان «ياحليوه يابسامه»، وقدمتها إلى الجمهور السوداني بموسيقى وإيقاعات إماراتية من اللون الشعبي، بالإضافة إلى أدائي السلم الخماسي، ضمن حفل المركز التجاري العالمي بدبي، إلى جانب أدائي اللون الشامي بالطريقة الإماراتية الشعبية في «إكسبو دبي»، وحضر الأمسية أكثر من 25 ألف شخص.
عولمة الشعبي
يلفت المنهالي إلى أنه خاض عملية ترجمة نصوص شعرية لعدد من الشعراء الإماراتيين إلى عدّة لغات عالمية، ومن ثمّ تلحينها وتوزيعها موسيقياً ضمن قوالب لحنية تراثية تتناسب مع ثقافات العالم، وهو ما أطلق عليه مصطلح «عولمة الشعبي»، بحيث يستطيع المؤدون أن يغنوا التراث الإماراتي بعدة لغات من دون المساس بجذوره الأصيلة. ويقول: قدمت عملاً باللهجة «السواحلية» وبألحان إماراتية، خلال زيارتي لإحدى الجزر الفريدة الواقعة عند ملتقى البحر العربي والمحيط الهندي، وعلى الرغم من صعوبة تقديم هذه اللهجة بأسلوب ولحن إماراتي شعبي، إلا أن التجربة تكلّلت بالنجاح.
أداة استراتيجية
انطلاقاً مما سبق تثبت «الجيوموسيقية» أنها قادرة على أن تكون أداة استراتيجية متكاملة، بحسب ما يؤكده المنهالي ويقول: «الجيوموسيقية» تهدف إلى تعزيز الهوية الوطنية، وتتيح للموسيقى المحلية أن تصل إلى جمهور عالمي مع الحفاظ على أصالتها وجذرها البيئي، وتُعتبر حلقة وصل بين التراث الوطني والسياحة الثقافية. كما أن مفهوم «الجيوموسيقية» لا يسهم فقط في دعم القطاع الثقافي، بل يشكّل أيضاً جسراً للتواصل الثقافي الدولي، إذ يسمح بتقديم الموسيقى الإماراتية إلى شعوب العالم بطريقة تليق بعراقتها وأصالتها، ويعكس في الوقت نفسه روح الابتكار في المجتمع الإماراتي المعاصر.
انعكاس حي
يذكر المنهالي أن الموسيقى هي انعكاس حي لجغرافيا الوطن، وجسر يربط الشعوب، كما تفتح قنوات للتواصل والسلام والحوار. ويقول: صغت وطورت النظرية لتظهر كيف يمكن للموسيقى والألحان أن تروي قصص الأرض بكل لهجات ولغات الشعوب متجاوزةً كل الحدود الجغرافية، فهي ظاهرة عميقة الجذور، تحمل هويات الشعوب وأحلامها وتاريخها. وينفِّذ المنهالي حالياً مجموعة أعمال بمنهجية «الجيوموسيقية»، لعدد من اللهجات منها المصرية، التونسية، المغربية، والعراقية، ويسعى إلى طرح كتاب «الجيوموسيقية» في معرض أبوظبي للكتاب في دورته الجديدة.
بيت العود
يذكر المنهالي أن دراسته وتخرجه من أكاديمية بيت العود العربي بدرجة امتياز بمرتبة الشرف، تحت إشراف الموسيقار د. نصير شمة، أسهما في ترسيخ الأساس العلمي والفني الذي انطلقت منه باكورة «الجيوموسيقية»، فالدراسة هناك كانت مدرسة متكاملة في فهم الموسيقى بوصفها هويةً وثقافةً وتاريخاً وجغرافيا، ومصدراً للفخر والاعتزاز، ويقول: من خلال هذا التكوين الأكاديمي، تعمّق إدراكي للعلاقة بين المقام الموسيقي والبيئة التي وُلد منها، وبين الإيقاع والوجدان الشعبي الذي يحمله، وهنا بدأت ملامح «الجيوموسيقية» تتشكل كمنهج عميق.