تسعى استطلاعات الرأي إلى معرفة آراء الناس بشكل أفضل حول مواضيع متنوعة كالسياسة والصحة والتعليم. ومع ذلك، يتناقص عدد الراغبين في المشاركة فيها.

من هنا، جاء السؤال: هل يُمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي أن تحل محل المئات، أو حتى الآلاف من البشر من خلال محاكاة تنوع الإجابات التي يُقدمها البشر؟ هذه الممارسة باتت مُستخدمة بالفعل في بعض الدول وهي أقل تكلفة بكثير. ولكن هل نتائجها موثوقة؟

نشر موقع (conversation) مقالا يحاول الإجابة على هذه الأسئلة.
تتطور نماذج اللغات الكبيرة باستمرار مع تحديث الشركات لها. وبناءً على التعليمات المُقدمة، والمعايير المُستخدمة، أو إصدار النموذج، يُمكن أن تختلف الإجابات على السؤال نفسه اختلافًا كبيرًا.

قد تجعل هذه الخاصية استخدام هذه النماذج بشكل موثوق في بحوث العلوم الاجتماعية أمرًا صعبًا. مع ذلك، يمكن استغلالها أيضًا لمحاكاة إجابات عدد كبير من الأشخاص.

لتوليد 10,000 إجابة، على سبيل المثال، باستخدام روبوت الدردشة "تشات جي بي تي" (ChatGPT)، قد يزود معهد استطلاعات الرأي النموذج ببعض المعلومات الديموغرافية الأساسية والسياق، مثل "أنت شاب من سكان المدن، طالب جامعي، وتتبنى آراء محافظة. يرجى الإجابة على الأسئلة التالية".
يمكن للباحثين بعد ذلك تغيير هذه الخصائص الديموغرافية للحصول على نطاق واسع من الإجابات من "تشات جي بي تي" لنفس السؤال.

يتمتع النموذج أيضًا بدرجة من العشوائية الداخلية، مما يؤدي بطبيعة الحال إلى إنتاج إجابات مختلفة عند طرح السؤال نفسه بشكل متكرر. وبالتالي، يمكن للباحثين الجمع بين التعليمات المُعطاة للنموذج وعنصر الصدفة هذا لتوليد 10,000 إجابة اصطناعية مختلفة.
أقرأ أيضا... إذا شن ذكاء اصطناعي مارق هجومًا إلكترونيًا، من المسؤول قانونيًا؟

المحاكاة ليست آراء

لطالما استخدم القائمون على استطلاعات الرأي النماذج الإحصائية لتعميم النتائج المُستخلصة من عدد محدود من الإجابات. ويمكن لمحللين مختلفين استخلاص استنتاجات متباينة من بيانات الاستطلاع نفسها. وتشير الدراسات، التي أُجريت على "مستجيبين اصطناعيين"، إلى أنهم قد يكونون أكثر حساسية من البشر للتغييرات الطفيفة في التعليمات أو المعايير، مما يُنتج نتائج متباينة للغاية.

لكن استخدام "المستجيبين الاصطناعيين" يثير تساؤلاً جوهرياً. فالاستطلاعات ليست مجرد أدوات تنبؤية، بل هي أيضاً أدوات قياس مصممة لرصد ما يفكر فيه الناس فعلاً. يقيس مقياس الحرارة درجة حرارتك مباشرةً، ومن غير المرجح أن تثق بجهاز يُقدّر درجة حرارتك بالرجوع إلى نموذج ذكاء اصطناعي.

ترث نماذج اللغة الضخمة وغيرها من أدوات الذكاء الاصطناعي التحيزات ونقاط الضعف الموجودة في البيانات التي دُرّبت عليها. فعلى سبيل المثال، قد يُبسّط الذكاء الاصطناعي آراء الفئات السكانية غير المُمثلة تمثيلاً كافياً على الإنترنت أو يُشوّهها. كما تحتوي الاستطلاعات التقليدية على تحيزات، لكن العديد من تلك التي تؤثر على أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة تبقى خفية عن العامة. والأكثر إشكالية، أن بعض المؤسسات قد تُقدّم للجمهور نتائج من مستجيبين اصطناعيين كما لو كانت من استطلاعات أُجريت مع أشخاص حقيقيين.

هذه القيود تُهدد بتقويض الثقة في الاستطلاعات. فقد يميل الباحثون إلى اعتبار ردود الاستبيانات المُصنّعة تمثيلاً للرأي العام. مع ذلك، لا يقيس النظام هذا الرأي فعلياً، بل يُجري مُحاكاة للرأي العام استناداً إلى البيانات التي دُرِّب عليها. 

استبيانات مُصممة ومُحللة بشكل أفضل

مع ذلك، لا يعني هذا أن الذكاء الاصطناعي ليس له دور في أبحاث الاستبيانات. على العكس، يُمكنه مُساعدة الباحثين على تحسين تصميم الاستبيانات دون إضعاف قياس الرأي العام. يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تساعد في صياغة أسئلة أكثر وضوحًا من خلال تبسيط عباراتها، والحد من الغموض، وتجنب التكرار. كما يمكنها المساعدة في حذف الأسئلة غير الضرورية، مما يُسهّل مشاركة المستجيبين. وتتميز هذه الأدوات أيضًا بقدرتها على تكييف الاستبيانات مع مختلف اللغات.

بعد اكتمال الاستبيان، يُمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة الباحثين في تنظيم كميات كبيرة من الإجابات المفتوحة، وتلخيص المواضيع المتكررة، ومعالجة الاستبيانات غير المكتملة بكفاءة أعلى من المحللين البشريين. ولذلك، يستكشف بعض الباحثين مناهج هجينة تجمع بين الاستبيانات التي تُجرى على عينات بشرية أصغر حجمًا وأدوات التحليل المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

يُهدد استبدال المستجيبين البشريين بمستجيبين اصطناعيين بإضعاف الصلة بين الناس والجهات التي تريد استطلاع آرائهم. في الوقت نفسه، يُشكل انخفاض معدلات الاستجابة من البشر للاستطلاعات وارتفاع تكاليفها تحديات كبيرة أمام أبحاث الاستبيانات.

ويعتقد الباحثون أن الأبحاث المستقبلية ستجد طرقًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي بشفافية وكفاءة ودقة علمية، دون الاستغناء عن الباحثين البشريين.