علي عبد الرحمن (أبوظبي)
في مشهد فني تتسارع فيه وتيرة الإنتاجات الدرامية، وتتعدَّد منصّات العرض الرقمية، يبرز تحوّل لافت يعكس رغبة لدى صنّاع الدراما ونجوم السينما والتلفزيون، إذ تشهد خشبة المسرح إقبالاً متسارعاً من أسماء لامعة، طالما ألفها الجمهور خلف الشاشات.
هذا الانتقال الواعي لا يُعَد مجرد مغامرة عابرة أو استراحة محارب، بل هو سعي حثيث نحو فضاء تعبيري أصيل يمنح الممثل ما تفتقده الشاشة أحياناً، ومنها التواصل المباشر، والنبض الحي، والاختبار الحقيقي لأدوات الممثل في زمنه الحقيقي. وبينما تمنح السينما والتلفزيون والمنصّات الرقمية الممثل انتشاراً واسعاً، تمنحه الخشبة تجربة أكثر قرباً من الجمهور. الأمر الذي يدفع عدداً من الممثلين إلى خوض تجارب مسرحية بحثاً عن جمهور جديد.
مساحة رحبة
في دولة الإمارات، يتنامى الحضور المسرحي ضمن مشهد يستقطب عروضاً ونجوماً من مختلف أنحاء العالم العربي، مستفيداً من تنوّع الجمهور وتعدّد المنصّات التي تحتضن الفنون الأدائية. وقد أتاحت هذه البيئة مساحة لنجوم السينما والتلفزيون لخوض تجارب مسرحية أمام جمهور جديد، مع استمرار حضور الفنانين الإماراتيين والخليجيين على الخشبة. ومن بين النماذج الحديثة تجربة «فيلم رومانسي»، التي جمعت آيتن عامر، ووفاء عامر، على خشبة المسرح في الإمارات، لتقدِّم مثالاً على انتقال أسماء معروفة من الشاشة إلى العرض الحي، والاستفادة من الحضور الجماهيري الذي تتمتع به. وتعكس هذه التجارب اتساع مساحة المسرح في المشهد الفني الإماراتي، وقدرته على استضافة تجارب متنوعة تجمع بين الفنانين المعروفين والمواهب الجديدة، فيما يظل الهدف المشترك، الوصول إلى الجمهور من خلال تجربة مباشرة تختلف في طبيعتها عن المشاهدة عبر الشاشة.
اختبار الخشبة
شهد المسرح المصري خلال السنوات الأخيرة عودة عدد من النجوم إلى العروض الحيّة، فقدم أحمد حلمي، مسرحية «بني آدم»، بينما خاضت مي عز الدين، تجربة «زواج اصطناعي»، في حين ظهر هشام ماجد، في «خيال مريض». وتكشف هذه التجارب عن حضور متزايد لنجوم ارتبطت شهرتهم أساساً بالسينما والدراما التلفزيونية، قبل أن يقرِّروا خوض مواجهة مباشرة مع جمهور المسرح.
ولا تقتصر الظاهرة على النجوم أصحاب الجماهيرية الكبيرة، إذ يسعى المسرح أيضاً إلى تقديم وجوه جديدة. ويبرز هنا اسم المخرج المسرحي أحمد البوهي، الذي قدَّم تجارب تجمع بين الرؤية المسرحية والاستعانة بأسماء قادرة على جذب الجمهور، بينها «تشارلي» و«فرايدي». ويرى البوهي أن استعادة الجمهور للمسرح لا يمكن أن تقوم على شهرة الممثل وحدها، وإنما تحتاج إلى عرض متكامل تتضافر فيه عناصر النص والإخراج والإنتاج والأداء.
على مسار مختلف، يمثِّل يحيى الفخراني، نموذجاً لممثل ظل المسرح حاضراً في تجربته الفنية إلى جانب رصيده الكبير في التلفزيون والسينما، وقد ارتبط اسمه بعدد من التجارب المسرحية البارزة، بينها «الملك لير»، و«ياما في الجراب يا حاوي»، وهي أعمال تستند إلى نصوص ذات حضور أدبي ودرامي، وتمنح الممثل مساحة واسعة لإظهار قدراته في الأداء الحي. وتكتسب تجربة الفخراني، أهمية خاصة داخل ظاهرة عودة نجوم الشاشة إلى المسرح، لأنها لا تقوم فقط على الاستفادة من شعبية الممثل، وإنما على تقديم المسرح باعتباره مجالاً فنياً له خصوصيته وتقاليده. كما تكشف هذه التجربة عن قدرة الممثل صاحب التاريخ الطويل أمام الكاميرا، على الحفاظ على حضوره فوق الخشبة، والتعامل مع النص المسرحي بما يتطلّبه من تركيز لغوي وأدائي. وبذلك يقدم الفخراني نموذجاً مختلفاً عن الممثل، الذي ينتقل إلى المسرح بحثاً عن تجربة جديدة.
الاختبار الأصعب
إذا كانت الشاشة تمنح الممثل فرصة الوصول إلى ملايين المشاهدين، فإن المسرح يضعه في مواجهة مباشرة مع عدد محدود من الجمهور، لكنه جمهور حاضر أمامه في اللحظة نفسها، لا يوجد إعادة للمشهد، ولا فرصة لإخفاء خطأ من خلال المونتاج، ولا مسافة تفصل الممثل عن رد فعل المتلقي.
ويرى الناقد علاء عادل، أن المسرح يمثِّل اختباراً حقيقياً لجماهيرية الممثل، معتبراً أن الخشبة تكشف مدى قدرة النجم على جذب الجمهور بصورة مباشرة، بعيداً عن الانتشار الذي توفِّره الشاشة، فالمشاهد في المسرح لا يكتفي بمعرفة اسم الممثل، وإنما يذهب إلى القاعة لمتابعة العرض كاملاً. وتمنح هذه المواجهة الممثل نوعاً مختلفاً من التفاعل، فالضحكة تصل في لحظتها، والتصفيق يأتي فوراً، وكذلك الصمت أو ضعف التفاعل، ومن ثمَّ يصبح الجمهور عنصراً أساسياً في تشكيل إيقاع العرض.
عروض متنوعة
لا تبدو عودة نجوم الشاشة إلى المسرح تجارب منفصلة، بل تعكس تنوعاً متزايداً في العروض التي تجمع بين الكوميديا والاستعراض والنصوص الكلاسيكية والمعالجات المعاصرة، وتفتح المجال أمام مدارس مختلفة في الأداء. ومع انتقال ممثلين من السينما والتلفزيون إلى الخشبة، تتّسع مساحة المسرح داخل المشهد الفني، ويصبح أكثر اتصالاً بالحركة الإبداعية في بقية أشكال الفن. ولا يعني هذا الانتقال ابتعاد النجوم عن السينما والتلفزيون، بل يعكس اتّساع خيارات الممثل بين وسائط فنية متعددة، فالشاشة تمنحه الانتشار، بينما تمنحه الخشبة تجربة مختلفة تقوم على الأداء الحي والتفاعل المباشر. وتكشف هذه التجارب عن حضور متزايد للمسرح في المشهد الفني العربي، سواء مع نجوم يخوضونه للمرة الأولى أو فنانين يعودون إليه بعد سنوات، لتظل الخشبة مساحة تجمع بين النجومية والتجربة الفنية الحية.