للحديث عن التراث في داخلي سحرٌ خاص، ربما لارتباطي بجهود تدوينه والمساهمة في حفظه وصونه لسنوات خلَت، عشقتُ خلالها الميدان ومن يحملون الأصالة وتراث الوطن في وجدانهم وذاكرتهم، وربما يملكون بعضاً منه كتراث مادي ملموس في منازلهم على هيئة أدوات، أو مقتنيات، أو سلوك يمارَس بكل محبة ووفاء وإخلاص لماضٍ راسخ في الوجدان.
نعلَم أن التراث ليس حكايات نرويها عن زمن مضى، ولا مقتنيات نعرضها في المتاحف والمهرجانات، بل هو ذاكرة مجتمع، وخلاصة تجارب إنسانية صنعت ملامح هويته، ومنحته خصوصيته الثقافية. 
ولقد قطعت الإمارات أشواطاً طويلة في مجال صون تراثها الثقافي، من خلال المؤسسات والمبادرات والمهرجانات والبرامج التعليمية، وأصبح الموروث يحظى بحضور لافت في المشهد الثقافي، مما أسهم وبشكل كبير في توثيق الكثير من عناصر الذاكرة الوطنية وحمايتها من النسيان.
ولأن تلك الجهود مستمرة، خصوصاً ما يتعلّق منها بالتسجيل في سجل التراث الإنساني في «اليونسكو»، فإنه من المهم أن تكون هناك خطة مستقبلية لحفظ هذه الذاكرة الإنسانية الضاربة في عمق التاريخ لتكون حاضرة في الذهنية الجديدة لأجيال تصوغ مستقبلها عبر وسائط متعددة بعيدة تماماً عن الوعاء الثقافي الناقل للتراث بشقَّيه المادي واللامادي. 
لذا ولتقريبه ليكون حاضراً في أذهان الجيل وسلوكه وممارساته، لا بد من صياغة رؤية تعليمية ومجتمعية جديدة تجعل منه حاضراً في القلوب والعقول، كما في الاحتفالات والمهرجانات.
إن الأجيال الجديدة تحتاج لأن نقدِّم لها تراثها الوطني بلغة عصرها، وما ارتبط منه بالحكاية والمهن الشعبية والأهازيج والألعاب الشعبية والمسرح والأدب عموماً؛ وأن نمنحها فرصة اكتشاف ما في ذلك التراث من حكمة وقيَماً وتجارب. فالتراث لا يعيش بطول عمر مقتنياته، وإنما بقدرته على الاستمرار في وجدان الناس، والتأثير في علاقتهم بأنفسهم وبمجتمعهم.
وحين تصبح الذاكرة مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمؤسسة الثقافية، فإننا نحافظ على الماضي، ونمنح المستقبل جذوراً راسخة. فالذاكرة التي لا نورِّثها وعياً، قد تبقى حكاية جميلة نرويها، لكنها لن تصبح بالضرورة حياة نعيشها بكل محبة وفخرٍ وامتنان.